غياب المنابر البديلة يجبر الحكومة المصرية على إنقاذ الصحافة القومية

    أميرة فكري ( العرب: )

تتجه الحكومة المصرية إلى إنقاذ المؤسسات الصحافية القومية من أزماتها المالية ومحاولة إصلاح أوضاعها المتعثرة، ماليا ومهنيا، بعد سلسلة من التراجعات والإخفاقات، معتبرة أن هذا الملف “هام وعاجل ومحل اهتمام كبير”.
وقررت هالة السعيد وزيرة التخطيط والإصلاح الإداري، تشكيل لجنة من خبراء التخطيط والماليات والاستثمار والصحافة، للنظر في إعادة هيكلة المؤسسات القومية، وبحث مشكلاتها ووقف نزيف الخسائر المتراكمة داخلها، والتوصل إلى حلول جذرية لها في القريب العاجل.
وتعاني الصحف الحكومية (الأهرام والأخبار والجمهورية وروز اليوسف ووكالة أنباء الشرق الأوسط) من أزمات كبيرة، ورثتها الإدارات الراهنة عن سابقتها، وتسببت بوضع مالي شديد التعقيد يتمثل في الخسائر التي تم ترحيلها وعدم التوازن بين النفقات الكبيرة والإيرادات الضئيلة.
ودفع هذا القرار البعض من الصحافيين إلى طرح تساؤلات، حول غياب الحديث عن إصلاح أحد قطاعات الإعلام المصري الهامة، وهو اتحاد الإذاعة والتلفزيون الحكومي “ماسبيرو” الذي يعاني هو الآخر من أزمات مالية مماثلة للصحف القومية.
ويرى متابعون وخبراء إعلام أن التوجه الحكومي نحو إصلاح إعلام الدولة يبدو أنه بعيد عن التلفزيون ويتركز فقط في المؤسسات الصحافية، لعدة اعتبارات أهمها الكلفة المرتفعة لتطوير “ماسبيرو” الذي يضم عددا هائلا من الموظفين يبلغ 45 ألف شخص، ويحتاج إلى إعادة هيكلة تامة تقنية ومهنية.
يضاف إلى ذلك السبب الأهم وهو أن الدولة لديها مساندة جيدة من القنوات الخاصة التي يملكها رجال أعمال لديهم مصالح مشتركة مع العديد من مؤسسات الدولة، أي أنها تضمن ولاءها والدفاع عن سياساتها والتحدث بلسانها ومؤازرة أجهزة الدولة وقت الأزمات والترويج لإنجازاتها والدفاع عن قراراتها حتى وإن كانت تثير حفيظة الناس، في ظل امتلاك هذا الإعلام الخاص إمكانيات مالية وإدارية وإعلامية وبشرية ضخمة، وفي نفس الوقت لا تكلف الحكومة أي شيء.
في المقابل لا يمكن للحكومة التعويل على الصحف الخاصة، فرغم أنها قامت بدور الصحف الحكومية في مساندة أجهزة الدولة والدفاع عن النظام بشتى الطرق، إلا أنها تعاني أزمات مالية وإدارية أيضا، وأحيانا تخرج عن السرب وتهاجم بضراوة للإيحاء بأنها ليست ضمن إعلام الدولة.
ومن هنا وجدت الحكومة نفسها مضطرة لإصلاح صحافتها المملوكة لها، لشعورها بعدم الأمان الكامل للصحافة الخاصة والمستقلة، بعكس ما تشعر به تجاه الصحافة الحكومية التي تعمل وفق رؤيتها وتحت لوائها.
ويظهر من الوضع الراهن أن المشهد الصحافي والإعلامي في مصر خلال المرحلة المقبلة يتجه نحو اعتماد أجهزة الدولة على الصحافة القومية والفضائيات الخاصة بشكل أكبر، بحيث تكون هي أذرعها الإعلامية التي تعتمد عليها.
وقال أحمد النجار، رئيس مجلس إدارة مؤسسة الأهرام سابقًا، إن الحكومة لن تتخلى عن الصحافة القومية تحت أي ظرف مهما تعاظمت المشكلات المالية والإدارية داخلها، لإدراكها أنها الوحيدة القادرة على إحداث التوازن في الإعلام المصري.
وأضاف : أن حل الأزمات المالية والإدارية رهن بتحويل مؤسسات الصحف القومية إلى مؤسسات قائمة على أسس اقتصادية، لديها استثمارات ضخمة في مجالات متنوعة، غير الصحافة الورقية، مثل إقامة المشروعات واستغلال الأصول المملوكة لها وتساوى المليارات من الجنيهات، دون بيعها، لأن ذلك جريمة كبرى، على أن تذلل الحكومة العقبات أمام هذه المؤسسات حتى تعتمد على نفسها ماليّا.
ويرى خبراء في مجال الإعلام أن الحكومة وجدت في الصحافة القومية منبرا إعلاميا لا يسبب لها أزمات سياسية أو دفع فواتير لملاك الصحف الخاصة، إذا طلب منها تسليط الضوء على قضية أو الترويج لإيجابيات قرار معيّن، كما أن الصحافة الحكومية مازالت تتمتع بقدر من التوازن ولم تتحول بعد، كما صحف خاصة، إلى منصات للنيل بقسوة من دول وأنظمة عربية ودولية لخلافها مع مصر.
ويتعلق إصرار الحكومة على إصلاح الصحافة القومية، لكونها الوحيدة القادرة على القيام بتوصيل الرسائل بشكل دبلوماسي ورسمي، وفي حال إقصائها من المشهد أو تراجعها أكثر من ذلك بفعل الأزمات المتلاحقة بداخلها، فإن ذلك يفقد أجهزة الدولة الظهير الصحافي القوي.
وسيكون البديل أمام أجهزة الدولة، أن تغامر بمخاطبة الداخل والخارج من خلال الصحافة الخاصة، التي قد تورط النظام في أزمات كبيرة، لا سيما المنصات الإعلامية التي افتعلت أزمات مع بعض الدول وتسببت في إحراج السياسة الخارجية معها، وهذا غير موجود في قاموس الصحافة القومية التي تحتفظ لنفسها بمسافة مع مختلف الأطراف.
وأفاد عبدالله حسن وكيل الهيئة الوطنية للصحافة، أن الحكومة عازمة على إنهاء كل المشكلات المالية والإدارية داخل المؤسسات الصحافية القومية لتكون رائدة أكثر من ذي قبل وفي مختلف المناحي، على أن يتم تخليصها من الأعباء والديون المتراكمة عليها، ولا توجد مطلقا نيّة لإهمالها والتنصل منها أو أن هناك توجها نحو تقليص دور هذه الصحف، مهما بلغت مشكلاتها.
وأضاف أنه لا حديث عن خصخصة الصحف القومية، بل إعادة الهيكلة ماليا وإداريا واستثمار الأصول بشكل محترف، وتعظيم العائد منها وزيارة مواردها ووضع حلول قابلة للتطبيق تنتهي كل هذه المشكلات، وتقوى بالمؤسسات بما يجعلها تقود الرأي العام بشكل تنويري ومتوازن، دون إرهاقها في أزمات مالية.

http://www.baladnews.com/article.php?cat=24&article=95845