أن نفقد القدرة على الجمال

   د. محمود الضبع( )

فى السنوات الأخيرة أحرزت مجتمعاتنا تقدما عاليا فى امتلاك القدرات على النقد السلبى ورصد العيوب والنواقص فى كل شيء مقروء أو مسموع أو مشاهد.
من المؤكد تماما أن النقد فى ذاته فعل إيجابى، وأداة من أدوات البناء، تمارسها المجتمعات المتقدمة أو التى ترغب فى التقدم لكى تحقق عبرها التطور ذاته، والإضافة إلى منتجها وحياتها وفكرها، وهذا هو الذى قصده تعريف علم النقد منذ أقدم مراحله فى فكرنا العربى، على أنه: تمييز الردىء من الجيد والصحيح من الزائف…إلخ، وحتى مع التطور العلمى، أضاف النقد إلى مفاهيمه: المناقشة، والتحليل، والتفنيد، والقراءة الواعية، وما يدخل فى هذا السياق من مفاهيم وإجراءات تحدد الأطر العلمية التى تحكم مسارات التفكير، وتفرق بين العقل الذى يسير فى اتجاه التفكير العلمى، والعقل الذى يسير فى اتجاه التفكير الخرافى.
وهذه التعريفات والمفاهيم جميعها تتفق على الموضوعية والتجرد من الأحكام المبنية على المشاعر والعواطف والحب والكره والاختلاف والاتفاق، تتفق على أن النقد لا يعنى على الإطلاق العداء مع الشيء «سواء كان منتجا ماديا أو معنويا» والبحث عن نقائصه وعيوبه وجوانبه السلبية فقط، وإنما يعنى النقد تحليل هذا الشيء وتمييز جيده من رديئه ودعم الجوانب الإيجابية فيه، وتقديم البدائل عن الجوانب السلبية، بشرط أن تكون لمن يمارس النقد أو يجرد قلمه للكتابة عن نشاط، أو يعبر عن رأيه من خلال وسائل الإعلام، أن تكون لديه القدرات الخاصة على النقد، وقبلها الوعى بما يتحدث عنه ودراسة جوانبه، وإلا فإنه كما يقول الأثر: «زلة العالِمِ يزل بها عالَمٌ»، وبالتالى فإن زلة المثقف الآن قد تزل بها عوالم وليس عالما واحدا إذا ما وضعنا فى الاعتبار انتشار وسائل الإعلام على نحو واسع عبر الكون، وقدرتها على نقل الرأى مكتوبا أو مسموعا أو مشاهدا، عبر أرجاء الكرة الأرضية فى نفس التوقيت، بل والاحتفاظ بها لفترات طويلة من بعد.
هل نمتلك جميعا الوعى بهذه المفاهيم؟
وهل نمتلك القدرة على تحقيقها عمليا فيما نمارسه من نقد على كل مجريات حياتنا، وإبداء الرأى فيما يدور حولنا، بدءا من النشاط السياسى والاقتصادى والإدارى والاجتماعى واليومى، ومرورا بما نشاهده أو نقرؤه أو نسمعه، وانتهاء بإبداء الرأى فى خطة الحكم لمباراة نشاهدها عبر الشاشة.
يبدو أن الإجابة تأتى بالنفى، ذلك أن الواقع الفعلى يشير إلى أن النقد اكتسب مفاهيم جديدة تخص الأمة العربية وحدها، ومنها اقتصاره على رصد وتداول السلبى فقط، والبحث الدائم عن النواقص والجوانب المعتمة، إلى الدرجة التى أصبحت الخشية فيها من أن يأتى علينا يوم لا نستطيع سوى رؤية القبح، وتنعدم قدرتنا على رؤية الإيجابى والمضىء، وحينها لن يتبقى أمامنا سوى النظر إلى أنفسنا بمنظور القبح ورصد السلبيات؛ فنفقد هويتنا تماما.
دعونا نتأمل ما يحيط بنا، ابتداء من الآراء الشخصية للأفراد فى كل مفردات الحياة من حولهم، وملاحظة كيف سيصفون الظواهر المحيطة بهم، سنجدهم إما لديهم انحياز تام يرتبط فى الغالب الأعم بمصلحة شخصية أو اتفاق عاطفى، أو أنهم يقفون فى الاتجاه المضاد تماما فيبحثون عن السلبيات، ويعددونها إلى أبعد مدى.
أما أن نجد من الأفراد من يعبر عن رأيه النقدى فى حيادية تنظر للجانبين السلبى والإيجابى وتناقشهما، فهذا قليل ونادر قياسا إلى جماعات الناس، ومن ينطبق عليهم مفهوم صاحب وجهة النظر.
ولا يختلف الأمر كثيرا عند من ينطبق عليهم وصف المثقف العام أو المثقف النوعى، مثل المثقف ثقافة علمية أو ثقافة إنسانية، ومنهم أساتذة الجامعة والمعلمون والأطباء والمهندسون وأصحاب الشهادات العليا، فقليلا أيضا ما نلتقى منهم آراء حيادية خارج نطاق تخصصهم، آراء تتحرر من الانحياز الأيديولوجى أو العملى، بل يزداد الأمر سوءا عند ملاحظة تسرب المفاهيم القاصرة للنقد إليهم، فأصبح نقدهم لما حولهم يرصد السلبى والمعيب، ولا يدعم الإيجابى والساعى نحو الاكتمال.
أما فى الإعلام فيكفى الاحتكام إلى المعيار الثلاثى للحكمة القديمة التى تقول:
العقول الجيدة تناقش الأفكار، والعقول المتوسطة تناقش الأحداث، والعقول الرديئة تناقش شئون الآخرين.
هذا المعيار بمفرده قادر على تصنيف وسائل الإعلام المسموع والمرئى والمقروء، وتقسيمها إلى أنماطها الثلاثة، وبالتالى تمييز جيدها من رديئها.
فإذا كان هذا حال النخبة والمثقفين وأصحاب الكلمة القادرة على التداول إعلاميا وفى أوساط عديدة من المجتمع، فما بال العامة من الشعوب والبسطاء من الناس؟!
ألا يدلنا ذلك على الحالة العامة للوعى العربى فى هدمه لوطنه، وهو منكر تماما بأن ما يفعله هدم وليس بناء؟!
هل فى الإمكان بناء أوطان وهذه الثقافة تسود مجتمعاتها؟
هل فى الإمكان تحقيق خطوة متقدمة واحدة فى طريق السعى إلى الأمام وهذه الثقافة هى الوعى العام والمسيطر على بنية عقول أبناء هذا الوطن؟
أما تنبهنا بعد لهذا الفخ الذى نحن واقعون فيه، ومتشبعون بثقافته التى تسربت إلينا لأسباب عدة أهمها نظم التعليم وأدوات التثقيف وغياب الدور الواعى للحياة العلمية التى حققها أجدادنا مرات ومرات عبر التاريخ، وكلما سقطت كانت هناك جماعات متعلمة مثقفة واعية تعيد بناءها، وتقوم بهذا الوطن من عثرته، حتى يغيب دور الحياة العلمية والعقل الواعى مرة أخرى، فنجد أنفسنا على ما نحن عليه الآن.
مررنا فى مصر بهذه المراحل فتطورنا وتراجعنا وتطورنا وتراجعنا، حتى أن القرن التاسع عشر شهد بمفرده تعاقب هذه المراحل فى حقب زمنية متقاربة بدءا من عهد محمد علي، ثم جاء القرن العشرين ليشهد حالات تراجع وتطور وتراجع، وصولا إلى ما آلت إليه أحوالنا فى السنوات ما دون العشرين الأخيرة، ففقدنا الكثير مما كنا نتميز به من إيجابيات وقدرة على رؤية الإيجابى كما ترى السلبى، وليس الاقتصار على السلبى فقط، وبالتالى فقدنا ملامحنا وهويتنا دون أن ندرى.
نحن نفقد الجمال الذى كان يعيش بفضل إحساسنا به، جمال المعمار والسكن، وجمال الأزياء والملابس، وجمال الكلمة الطيبة ومجرد الابتسامة، وجمال اجتماع الأسرة الكبرى مع الأسر التى تفرعت عنها فى لقاء واحد، نفقد شيئا فشيئا جمال الرأى وإن اختلفنا، وقدرتنا على البناء وليس الهدم فقط، قدرتنا على تفهم دور النقد، وتكوين العقل النقدى، قدرتنا على أن نرى الجميل بالكيفية التى نرى بها القبيح، والإيجابى بالكيفية التى نرى بها السلبى، وأن نبحث عن الجمال فى أبسط مظاهر حياتنا وأقلها كلفة.
نحن نفقد الجمال الذى لم يعد أحد منا يسأل نفسه عنه فى زحام حياته اليومية.

http://www.baladnews.com/article.php?cat=18&article=96342