شاكر عبدالحميد يُرسّخ الدراسة النفسية العربية للأدب

   علي عطا ( الحياة: )

في كتابه «مدخل إلى الدراسة النفسية للأدب... نظريات وتطبيقات» (الدار المصرية اللبنانية)، يذهب شاكر عبدالحميد، إلى ضرورة وضع حدٍ لالتباس العلاقة بين علم النفس والأدب. الموضوع ليس جديداً على عبدالحميد، باعتباره أبرز المتخصصين فيه بحكم عمله أستاذاً لعلم نفس الإبداع في أكاديمية الفنون المصرية، ومن ثم فإنه أصدر مِن قبل كتباً عدة تقارب بين علم النفس والأدب، من زوايا عدة، تنظيراً وتطبيقاً. وهو في كتابه الجديد يركز على ما يعتبره «مدخلاً» إلى الدراسة النفسية للأدب، متكئاً على ما سبق التطرق إليه في هذا المجال، عبر عدد من نقاد الأدب وعلماء النفس، منهم يونغ وفرويد، ومصطفى سويف ومصري حنورة، وطه حسين وجابر عصفور وشاكر عبدالحميد نفسه، لكن الكتاب جاء من دون التطبيقات التي أشار إليها عنوانه، ولربما يتضمنها جزء ثان من العمل نفسه الذي جاء ضمن سلسلة تحمل عنوان «رؤى نقدية»، يشرف عليها الناقد صلاح فضل.
ووفق شاكر عبدالحميد، فإن الأدب يشتمل على موضوعات وأفكار كثيرة يمكن أن تستفيد منها الدراسات النفسية، كما يشتمل على نظريات عدة يمكن أن يستفيد منها الأدب، إبداعاً ونقداً، وما حدث في واقع الأمر أن هذا التفاعل الخصب المثمر المأمول «تأخر كثيراً». ويضيف عبدالحميد أن علم النفس بعامة، وجّه عبرَ تاريخه، في شكليه القديم والمعاصر، اهتماماً قليلاً للموضوعات، الجمالية عموماً، وللأدب خصوصاً، وحدث هذا التأخير في الاهتمام العلمي بالأدب، من جانب علم النفس، نتيجة لعوامل عدة، منها ذلك الاعتقاد الذي سادَ المراحل المبكرة من نمو علم النفس بأن الموضوعات الجمالية هي من الموضوعات غير القابلة للتناول التجريبي المحكم، فهي تروغ من التحديد، وتهرب من التكميم والقياس. ومنها كذلك- كما يحدد عبدالحميد في مقدمة كتابه- أن هذا النظام العلمي الجديد، أي علم النفس الذي تأسّس علمياً العام 1879 (هو تاريخ تأسيس أول معمل لعلم النفس في العالم في ليبزغ في ألمانيا)، كان يجاهد من أجل وضع أسسه المنهجية القوية كعلم موضوعي ينتمي إلى العلوم الطبيعية الصارمة، ومن ثم شعر الكثيرُ من العلماء الأوائل بضرورة عزل هذا النظام الجديد عن مجال الإنسانيات والجماليات، بما فيها من نعومة وتعبيرات فضفاضة، وذاتية مفرطة.
ونتج مثل هذا التصنيف المتعسف عن ذلك التضاد الذي أطلق عليه سنو تعبيرَ أزمة الثقافتين أو التضاد بين الثقافتين، أي ذلك التضاد بين ثقافة العلم الصارمة، وثقافة الفن والأدب الفضفاضة والزئبقية، والمراوغة، كما يقال. وهناك عامل ثالث يتمثل في طبيعة المادة الأدبية التي جعلتها صعبة التناول الموضوعي، من الوجهة النفسية، بينما عولجت مجالات أخرى كالرسم والتصوير والنحت والموسيقى في شكل أكثر بساطة وتحديداً وتكراراً.
ويُضاف إلى ما سبق عاملٌ يتمثل في حال اللامبالاة من قبل علماء النفس تجاه الجماليات عموماً، والأدب خصوصاً، نتجت مِن ذلك الاتجاه السلبي الذي تراكمَ عبرَ تاريخ هذا العلم والذي يربط بين الأدب وبين التحليل النفسي، وقد كان هذا التحليل وما زال ضعيفاً من الناحية المنهجية، رغم ثراء التفسيرات، ومن ثم تصوّر بعضُ الباحثين أن هذا الضعف لا يرتبط بالتحليل النفسي فقط، بل وبالموضوعات التي يدرسها أيضاً، ومن بينها الأدب والجماليات.
وهناك عامل آخر أدى إلى تأخر الدراسة النفسية العلمية للأدب، أو تعثرها في حالات كثيرة، بحسب تعبير شاكر عبدالحميد، ويتعلق برفض نقاد الأدب، بل والأدباء أنفسهم المعاونة في البحوث النفسية العلمية للأدب، وعموماً يمكن أن نلاحظ وجود اهتمامات بالموضوعات النفسية في مجال الأدب داخل الأعمال الأدبية، حيث ظهر اهتمام الأدباء والنقاد بالجوانب الخاصة بأنماط الشخصيات وسماتها، ودوافعها، وانفعالاتها وأفكارها وصورها وقيمها واهتماماتها وتفاعلاتها واتزانها واضطرابها ومثاليتها وغير ذلك.
أما في مجال الدراسة النفسية للأدب من وجهة نظر علماء النفس أو المحللين النفسيين، فإن معظم الاهتمامات-رغم قلتها- انصبّت على المبدع دون القارئ، وعلى نوعٍ إبداعي بعينه، غالباً ما كان هو الشعر، وفي كثير من الأحيان كان المنحى التحليلي النفسي هو السائد والغالب على هذه الدراسات. ويرى عبدالحميد أن من الممكن أن يدخل علم النفس إلى مجال الأدب من خلال طرق كثيرة ومتشعبة، منها: القيام بفحص الأديب المبدع خلال نشاطاته الإبداعية المختلفة، ودراسة الناتج الإبداعي، سواء في صرته الأولية، أو صورته النهائية، دراسة قارئ الأدب علما أنه يستجيب لما يقرأه بطرائق مختلفة.
وفي هذا السياق، لاحظ عبدالحميد، أن محمد خلف الله أحمد، اعتبر عام 1914 تاريخاً لميلاد فكرة الاهتمام العلمي بالبعد النفسي في الأدب، ففي ذلك العام حصل طه حسين على الدكتوراه في الأدب عند أبي العلاء المعري، ووردت في هذه الدراسة وغيرها من دراسات طه حسين إشارات واضحة إلى اهتمامه الملحوظ بالبعد النفسي في الأدب، وتجلى ذلك في كتبه «حافظ وشوقي»، «مع المتنبي»، ودراساته عن بشار، وأبي تمام، وابن الرومي في «حديث الأربعاء» وغيرها.
وفي السياق ذاته أوردَ عبدالحميد ما رأته شوشانا فيلمان مِن أن العلاقة بين التحليل النفسي والأدب هي أشبه بالعلاقة بين الذات والموضوع، وأن عملية التفسير التي تقوم بها هذه الذات قد تتمثل في تحرير هذا الموضوع وفي إطلاق سراحه أو تقييده. ويضيف أن هناك مفاهيم داخل التحليل النفسي تعود أصولها إلى أعمال أو شخصيات أدبية، منها عقدة أوديب والنرجسية، أو كذلك إلى مؤلفين تاريخيين، كما في السادية والماسوشية. يتألف الكتاب من مقدمة وسبعة فصول: فرويد والأدب، يونج والنقد النماذجي والأسطوري، المنحى الموضوعي في الدراسة النفسية للأدب، الأحلام والخيال في الأدب، عملية الإبداع في الأدب، شخصية الكاتب، الإبداع والمجتمع. ويختتم بإيراد كثير من المراجع اتكأ عليها الكتاب، منها كتاب مصطفى سويف «الأسس النفسية للإبداع الفني في الشعر بخاصة» (دار المعارف، القاهرة 1970) وكتاب سويف نفسه «النقد الأدبي: ماذا يمكن أن يفيد من العلوم الحديثة»، وكتاب «الإنسان ورموزه» لكارل غوستاف يونغ، وكتاب مصري حنورة «الأسس النفسية للإبداع الفني في الرواية».
وتضمنت المراجع كتباً وبحوثاً عدة لشاكر عبدالحميد نفسه، منها بحث «بين علم النفس والأدب في مصر» (المجلة العربية للعلوم الإنسانية –الكويت 1985) «الأسس النفسية للإبداع الأدبي في القصة القصيرة» (الهيئة المصرية العامة للكتاب 1992)، «الغرابة: المفهوم وتجلياته في الأدب» (سلسلة عالم المعرفة- الكويت 2012)، «الفنون البصرية وعبقرية الإدراك»، (القاهرة- دار العين 2007)، «الفن وتطور الثقافة الإنسانية» (مريت 2015) وترجمته لكتاب سايمتن «العبقرية والإبداع والقيادة» (سلسلة عالم المعرفة 1993).

http://www.baladnews.com/article.php?cat=10&article=96649