ليس هناك فن بلا مضمون دال على الواقع

   عاطف محمد عبد المجيد( )

يستهل د. سعيد توفيق كتابه " الفن تمثيلًا..رؤيتي للفن بوصفه رؤية لمعنى ما " الصادر حديثًا عن الهيئة المصرية العامة للكتاب بقوله: " ليس فن التمثيل فقط هو ما يكون تمثيلًا، وإنما كل فن يكون تمثيلًا بمعنى ما".
    توفيق الذي يبدأ تصديره لكتابه هذا قائلًا إن دراسته هذه لا تنصرف إلى قضية جزئية أو هامشية من قضايا الفن التي لا تُحصى، وتكون كل منها في حد ذاتها جديرة بالاعتبار، وإنما تنصرف إلى قضية الفن ذاته، وليس الهدف من وراء ذلك هو تقديم، أو صياغة، نظرية عامة في الفن.توفيق يصف دراسته هذه بأنها أبعد ما تكون عن النظريات المجردة والفروض التفسيرية، مشيرًا إلى أنها تستند إلى التأويل الفلسفي، أي إلى نوع من التفسير الحواري الذي يتحاور مع التفسيرات الأخرى، ويحاول فهم ماهية الفن من خلال وقائع الفن ذاتها.هنا لا يفوت توفيق أن يؤكد أن دراسته هذه عن الفن، بوصفه تمثيلًا سوف تصطدم ببعض المفاهيم المستقرة عن الفن، ولعل أهمها مفهوم " اللا تمثيل في الفن " الذي يفترض كوْن بعض الفنون لا تمثيلية، أي لا تصور أو تمثل شيئًا معينًا من الحياة أو الطبيعة.
رؤية عامة
توفيق يرى أن مفهوم اللا تمثيل في الفن هو مفهوم حديث نسبيًّا فرضته بعض الأساليب الفنية الجديدة، ولم يكن متأصلًا في فهمنا للفن على مر العصور.هنا لا يزعم توفيق أنه يقدم تفسيرًا حاسمًا أو نهائيًّا لماهية الفن، غير أنه يحاول أن يقدم تفسيرًا جديدًا ورحبًا لماهية الفن لا يرتضي التفسيرات الدوجماطيقية الحاسمة السائدة إلى يومنا هذا، ويسعى إلى بلوغ النواة العميقة التي تتأسس عليها وحدة الفنون.مرة أخرى يعود توفيق ليقول إن هذه الدراسة تحاول تقديم رؤية عامة لماهية الفن من خلال مفهوم واحد، وهو مفهوم التمثيل، وبهذا الاعتبار، على حد قول المؤلف، تثير هذه الدراسة قضية تقليدية جدًّا، وهي قضية تعريف الفن ذاته، وهذه القضية تمثل، في حد ذاتها، مشكلة عويصة في تاريخ الفكر الجمالي، وما زالت مثار جدال حتى الآن.المؤلف يكتب هنا قائلًا كذلك إننا نجد عبر تاريخ الفكر الجمالي تصورات عديدة للفن الذي يربط بين مفهوميْ الفن والجمال من جهة، ومفهوم الفضيلة أو الخير من جهة أخرى، وهو التصور الذي يمكن أن نلتمس جذوره عند فلاسفة اليونان، خاصة في نظرية التطهير الشهيرة، كما يتردد صداه عند بعض المحدثين من أمثال تولستوي، ومنها تصور الفن باعتباره تعبيرًا حدثيًّا تخيليًّا، ومنها التصور الشكلاني للفن الذي يرى الفن صورة خالصة ذات دلالة بذاتها يتم التعبير عنها من خلال التلاعب بالمادة الحسية أو الوسائط الفنية، وهو التصور الذي التمس أنصاره جذوره في أفكار كانط عن الفن الذي رأى الفن على أنه غائية بلا غاية، أي أن الفن نشاط أو إبداع يوحي بالغاية ولكنه نشاط أو إبداع يوحي بالغاية ولكنه نشاط تلقائي حر غير مقيد بغاية محددة، درجة أنه نظر إلى الفنون التشكيلية على أنها تلاعب بالإحساسات.
مفهوم واحد
هنا أيضًا يرى المؤلف أن قضية تعريف الفن ومدى إمكانية الوصول إلى تصور عام لماهيته ليست هي الإشكالية الوحيدة التي تواجهه في دراسته هذه، إنما هي إشكالية تستدعي إشكاليات أخرى مرتبطة بها، قائلًا إن البحث الذي يتطلع إلى اختزال ماهية الفن في مفهوم أو تصور واحد، هو بحث يسعى إلى القضاء على تنوع وثراء الظاهرة الفنية نفسها التي لا يمكن استيعابها من خلال مفهوم واحد، إضافة إلى كونه يغفل الاختلافات التي بين الفنون من حيث طبيعتها المادية، ومن حيث أساليبها وإمكانياتها التعبيرية، وهي اختلافات دعت الفلاسفة إلى صياغة تصنيفات عديدة للفنون.توفيق يتساءل أيضًا قائلاً إذا كنا نرى أن كل فن يكون تمثيلاً بمعنى ما، فإن المشكلة كلها تكمن هنا في هذا " المعنى الـ ما " الذي به يكون الفن تمثيلاً، فبأي معنى يكون الفن تمثيلاً ؟ ألا يتطلب مفهوم التمثيل هنا تأويلاً بحيث يصبح ساريًا على كل فن؟ مضيفًا أنه في بحثنا عن معنى التمثيل في الفن سنجد أنفسنا في مواجهة تساؤلات عديدة: هل التمثيل في الفن يعني المحاكاة؟ وما هو معنى المحاكاة؟ وهل اللا تمثيل في الفن يعني الفن الخالص، وبأي معنى يكون الفن خالصًا؟ وهل يمكن أن نقدم تأويلاً جديدًا لمفهوم التمثيل في الفن على نحو يكون فيه هذا المفهوم متجاوزًا لكل الإشكاليات والتساؤلات السابقة، على نحو يمكن معه أن يكشف لنا هذا التأويل عما في هذا المفهوم من عمق ورحابة بحيث يتسع لتفسير تجليات ظواهر الفن التي قد تبدو لنا متباينة ومتعارضة في أحيان كثيرة.في موضع آخر يذكر المؤلف أن تقسيم الفنون إلى فنون تمثيلية وأخرى لا تمثيلية ما زال شائعًا حتى اليوم، وقد ساهم في تعضيده إتين سوريو ولم يستطع التحرر منها رغم أنه كان يحاول تقديم تصنيف مغاير للفنون يقوم على فهم ما بينها من علاقات وتداخلات وتقابلات.المؤلف يضيف كذلك أن سوريو كان قد انتقد تصنيف الفنون على أساس من المادة، محاولاً أن يبين لنا من خلال تحليل شديد العمق الصلات الوثيقة بين الفنون بحيث لا يستأثر أو يختص كل فن بمادة معينة، حيث إن المادة الواحدة يمكن أن تدخل في نسيج كثير من الفنون.كذلك انتقد سوريو تقسيم الفنون إلى تشكيلية مكانية كالمعمار والنحت والتصوير، وفنون صوتية زمانية كالشعر والموسيقى. غير أن سوريو يصنف الفنون على أساس الكيفيات الحسية الغالبة على النمط الفني، راصدًا سبع كيفيات أساسية هي الخطوط، الأحجام، الألوان، الإضاءة، الحركات، الأصوات اللغوية، والأصوات الموسيقية الخالصة.
الفن الخالص
يُعرف المؤلف التمثيل بأنه التشخيص، بمعنى أن يقوم شخص ما بتمثيل أو أداء شخصية أخرى كما لو كان حاضرًا أو ماثلاً نيابة عنها.وفي السياق نفسه يضيف المؤلف قائلاً إنه رغم كل التفاصيل المتعلقة بمعنى التمثيل في فنون الأداء التمثيلية، فإن جوهره يظل باقيًا فيها ويمثل ماهيتها باعتبار أن التمثيل فيها يكون تمثيلاً أو تصويرًا لحقيقة أو معنى شيء ما، من خلال المظهر، أي فعل التمثيل، الذي يتم تقديمه وعرضه.وهل يمكن أن نلتمس هذا المعنى لمفهوم التمثيل في الفنون الأخرى المسماة بالفنون التمثيلية كبعض أشكال فن التصوير؟    
    أيضًا يذكر المؤلف، في سياق آخر، أن الفن الخالص لا يعني، ولا ينبغي أن يعني، أن الفن يكون خالصًا من أي مضمون تمثيلي، خاصة وأن الفن الخالص هو أحد أشكال التعبير الجمالي الحديث الذي يتمثل الفن من خلالها الطبيعة والواقع والحياة الإنسانية، دون أن يستمد شيئًا أو موضوعًا محددًا من الطبيعة أو الواقع أو الحياة الإنسانية.كذلك يدعو إلى أن نطرح جانبًا الأغلوطة التي ترى أن الفن الخالص يكون لا تمثيليًّا لأنه يكون تجريديًّا، فالتجريد في الفن لا يعني تجرد الفن من الدلالة الإنسانية، وإنما يعني التعبير عن هذه الدلالة بطريقة مجردة.ومتحدثًا عن التجريد في الموسيقى يقول توفيق إنه يعني عدم تحديده في موضوع جزئي، لكنه لا يعني تجردها من التعبير عن عالم إنساني معيش، بل وعن أسلوب ثقافي وحضاري ما. في الأخير يخْلُص المؤلف إلى لقول إنه ليس هناك فن بلا مضمون دال على الواقع أو الطبيعة أو الحياة الإنسانية

http://www.baladnews.com/article.php?cat=10&article=96350