"عولمة الأزياء" الصيغة الهوليودية لفرض السطوة الأميركية

حسام نور الدين (الاتحاد الثقافي:)

الثلاثاء, 09-يناير-2018   02:01 صباحا

من أهم عوالم التأثير الثقافي بين الشعوب.. فن السينما، ومن بدء بزوغ السينما الأميركية، تغيّرت مفاهيم وسلوكيات المشاهدين في أنحاء العالم. فالسينما الأميركية لعبة يديرها أصحاب رؤوس الأموال ببراعة وذكاء، لصالح أهدافهم الربحية الاحتكارية أولاً، وأيضاً لنصرة أفكارهم الأيديولوجية، وهذا أمر تطرق إليه الكثيرون، وأوسعوه بحثاً. وما يهمنا في هذا المقام هو الرصد التاريخي والاستقرائي لأهم تأثيرات تصميم الملابس، وتقليعات النجوم التي بدأت وترسّخت مع بداية الصناعة الهوليودية، فأثرت في سوسيولجيا الفرد وذوقه.
لا شك أن السينما المصرية كانت ظلاً ناسخاً لتقليعات نجوم استوديوهات (هوليوود). فتسريحة شعر وشكل شارب أنور وجدي يذكرنا تماماً بكلارك جيبيل. ومظهر منير مراد هو المقابل للنجم داني كاي. والطفلة فيروز لم تكن لتظهر إلا بعد نجاح الطفلة شيرلي تمبل. وقبعة راقية إبراهيم هي صدى لتقليعة أفلام جريتا جاربو، وغيرها. أما سوالف الشعر الطويلة لأغلب أبطالنا في الثلاثينيات فهي صدى للنجم الأشهر في العشرينات فالنتينو.
ومع اعترافنا بالجاذبية الخاصة لأغلب نجومنا في حينها، ولمسة الروح الأصيلة في شخصياتهم، وفي الكثير من أعمالهم - رغم التأثر الشديد بالأفلام الأميركية - لكن يبقى جوهر المشكلة، والتي زادت جداً في سنواتنا الأخيرة، هو ضياع جزء كبير من ثقافة شعوبنا العربية، وغيرها في الشرق. فالشاشة تسلب الحس، وتغيّر العقل، وتقلب سوق الملابس، وتحدد اختياراته ومبيعاته، وقديماً قال العرب: (المظهر يدل على المخبر). وقد تكون الملابس من أقدم مظاهر العولمة، مما يجعل العالم قطباً واحداً، يفرض نمطه الثقافي والسلوكي، ومن أهم أسباب ذلك هو حالة التماهي (Identification) مع النجم، والتي فسرها الفيلسوف الفرنسي إدجار موران (1) بقوله: «الاقتصاد الرأسمالي وميثولوجية (أسطورية) العالم الحديث، وميثولوجية الحب في المقام الأول، كانتا من حدد ذلك الوحش الخرافي الضخم والمقدس الذي هو.. النجم، والنجمة».
ومن الدراسات الميدانية التي تمت لمعرفة تأثير الأفلام الأميركية والمواد التلفزيونية على الشباب الكوري الجنوبي، واحدة قام بها K Kang & Morgan، ومن نتائجها أن هذه المواد أدت إلى تأثير بالغ على القيم التقليدية الكورية، فأصبحت الفتيات الكوريات أكثر تحرراً من القيم الأسرية والأخلاقية، وأصبحن يرتدين الملابس الأميركية، ويحتقرن العقيدة الكونفوشيوسية.
حواجب النجمة
وبتتبع ملامح التطور التاريخي، لهذا التأثير الهوليودي بما يحمل من دلالات، نقع على طرائف عجيبة. فأزياء الأفلام (3) بدأت تؤثّر مبكراً في سوق الأزياء والموضة عبر فن السينما، وتحديداً منذ عام 1912، عندما عُلم أن سكان جزيرة (تاهيتي) الأصليين قد صاروا مدمنين على مشاهدة أفلام الويسترن التي يقلّدونها كما هي، فأضحوا بعدها يرتدون قبعات أبطالها. وقد بدأ التأثير على نحو أوسع، عندما اخترع المخرج الأميركي دافيد وارك جريفيث أول زوج من الحواجب المزيفة، كي يعطي لعيون النجمة سينا أوين مظهراً باهراً، لدور أميرة معشوقة في فيلمه الضخم (التعصب - 1916). وقد تم عمل هذه الحواجب وقتها عن طريق صانع الشعر المستعار (باروكة)، حيث نسج من الشعر الطبيعي البشري خيطاً طوله نحو 24 بوصة من الحرير الشبكي gauze، ثم في كل يوم يقطع قطعتين صغيرتين من نهاية الشريط، فيتم لصقهما على جفون النجمة سينا أوين!!
كذلك فإن استعمال أدوات زينة وتجميل العيون مثل مايعرف بـ(الماسكرا - mascara)، تم استلهامها مباشرة من النجمتين تيدا باران، وبولا نيجري، اللتين أرداتا أن يسوّدا جفنيهما، حتى يمنحا لنفسيهما حالة من الغموض.
أما الحواجب الرقيقة فقد اجتاحت كالعاصفة سوق الموضة و(الماكياج) عام 1930، وذلك بعد أن قصت النجمة جين هارلو حواجبها على شكل قوس رقيق، فبدأ خبراء التجميل يقلدونها، بدهن الأثير على الحواجب حتى يخففوا ألم نزع الشعيرات أثناء تحديد الحواجب، فانتشرت من يومها تلك التقليعة بين أغلب نساء الكرة الأرضية.
إنها تنزف!
أما بخصوص ابتكارات الملابس والأزياء، فيسجل أن النجمة الأميركية بيسي باريسكال أثارت مشاعر الدهشة والاستغراب، عندما لبست عباءة مفتوحة من الظهر في فيلم (زوجة جوسيلين ـ 1919)، وعلى الفور قامت الطبقات المتوسطة بتقليد هذه العباءة، وصارت معروفة بينهم، بعدما كانت سابقاً مقصورة على الطبقات الأعلى منهم. أما موضة الشعر القصير فقد سادت بين كل الطبقات لحظة شاهدوها في فيلم (شباب متوهج – 1928)، للبطلة كولين مور التي جسدت نموذج الفتاة المراهقة.
كذلك فإن النجمة بولا نيجري لم تكن فقط الأولى التي تسير عارية الساقين، وتلبس الصندل في الصيف، ولكن كانت أيضاً أول من تطلي أظافر أصابع قدميها. ومن الطريف أنها تذكر عندما فعلت ذلك عام 1923 باستعمال دهان لامع لونه أحمر، لمحت امرأة في قاعة العرض اللون الأحمر على أصابع قدميها، فصرخت في القاعة بعلو صوتها: إنها تنزف.. إنها تنزف!!
لكن خلال أسابيع قليلة، هبت نساء العالم لتطلي أصابع أقدامها، وصارت أهم أدوات التجميل في القرن العشرين، وإلى الآن.
ونتوقف عند عام 1914 عندما أصبحت الممثلة ذات الستة عشر ربيعاً دوروثي جيش من أوائل السيدات في أميركا التي تستعمل (الجينز)، رغم أنها لم تلبسه أبداً أمام الشاشة، لكنها ذهبت به مرة واحدة إلى الأستوديو، ومنعها المخرج جريفيث من ارتدائه مرة أخرى، مع رسالة تحذير عابسة منه لأمها، لمنع ابنتها من ارتدائه مرة أخرى!! أما الجوارب الطويلة فكانت أول من أطلقت صيحتها النجمة الأسطورية في الثلاثينات مارلين ديتريتش في فيلمها (المغرب ـ 1930).
جاربو وزميلاتها
الأرجح أن أشهر من أثّر في عالم الأزياء هي النجمة الأشهر جريتا جاربو بارتدائها الياقات، أو (الكولات) الفرو الطويلة، وهذا لم يكن بغرض الأناقة أولاً، لكن لأجل أن تخفي عيب رقبتها الطويلة، فقام المصمم ماكس ري بتصميم تلك الياقات في فيلمها (السيل 1926)، ليقلدها الناس فوراً، وتنتشر تلك الصيحة في العشرينات وما بعدها. أما قبعة الرأس المعروفة باسم البيريت (beret) فقد لبستها جاربو، لكن خارج الشاشة، وسرعان ما أصبحت موضة عالمية، في الثلاثينات، ثم عادت للظهور في الستينات بفضل النجمة الأميركية فاي دوناواي، حيث ظهرت به (البيريت) في دور سيدة عصابات، في الفيلم الشهير (بوني وكلايد ـ 1967).
أيضاً تعتبر النجمة جوان كرافورد صاحبة أكبر تأثير مع جريتا جاربو في تحديد ذوق النساء في اختيار الملابس، مثلما حدث عندما شاهدن كرافورد ترتدي البذلة النسائية ذات الأكتاف المحشوة، من تصميم أدريان في فيلم (اليوم نعيش - 1933).
ولقد كانت الأستوديوهات الكبرى تشارك وتتعاون مع تجار الملابس، وتصميم الأزياء، لذا كانت الملابس تصمم خصيصاً لنجمات الشاشة، وكانت تعرض في المحال والأسواق، وقت نزول الفيلم لدار العرض. وعموماً فإن تبني موضات وطرز أزياء الأفلام (Costume) قد جلب ثروات طائلة لكل من المصمم والوسيط الذي نجح في تسويق هذه الأزياء، في حين لم يكن للنجوم ـ إلا فيما ندر ـ أي أرباح من وراء تلك الموضة التي يقلدها الناس وراءهم. لكنه في نفس الوقت نجد ـ أحياناً ـ أن ما لا يلبسه النجوم، يكون أكثر تأثيراً في سوق الملابس مما يلبسونه، فعندما فتح النجم كلارك جيبل قميصه ليظهر على الشاشة صدره العاري في فيلم (حدث ذات ليلة ـ 1934)، انحدرت مبيعات الفانلات الداخلية للرجال في السوق بمقدار 40%!!
وتبقى هوليوود أيضاً سبباً دافعاً في إضافة لمسة غريبة على أسلوب تصميم الملابس الأميركية، كما حدث طوال سنوات الأربعينات عندما عم سوق الملابس وشكل ومظهراً لاتينياً من أميركا الجنوبية، بتحفيز وابتكار المصممة الشهيرة اديث هيد، إثر ظهور البطلة باربرا ستانويك في فيلم (المرأة حواء - 1941)، ثم ظهرت بعدها في الأسواق لمسة شرقية، عندما لبست الممثلة جنيفر جونز ملابس لها تلك اللمحة والتأثير الشرقي، من تصميم شارل لومير، في فيلمها (الحب شيء أكثر من رائع - 1955).
موضة الحداثة
وبعد الحرب العالمية الثانية كان التأثير الأساسي لهوليوود في الأزياء يتجه نحو الملابس العادية (الكاجوال Casual). فكان الشباب الصغير - بصفة أساسية - يأخذون موضة ملابسهم من أساطيرهم المفضلة على الشاشة، مثل الجاكيت الجلدي المليء بالجيوب الذي لبسه النجم مارلون براندو عام 1954، وكذلك البنطلون الضيق لنجم الروك الفيس بريسلي. أما البنات الصغيرات في عمر المراهقة، فقلدن الفرنسية الفاتنة بريجيت باردو في فيلمها (وخلق الله المرأة - 1957) حيث ظهرت حافية القدمين، ونادراً أيضاً ما ارتدت الحذاء خارج الشاشة، وأصبح الشكل مقبولاً. في حين أعادت الأميركية جين فوندا الحذاء طويل الرقبة بلونه الأبيض حتى الركبة، وصارت جزءاً من صيحة جيل الجونلات القصيرة في السبعينات.
ولازالت الأزياء في السينما الهوليوودية تجذب كل جيل، مع بقية وسائل الإعلام والتواصل الحديثة اليوم، وإن كانت تكرر نفسها، وتستعيد أغلب ما ذكرناه من تقليعات ولمسات ابتكار في عالم الأزياء، خلّدتها السينما منذ بدء صناعتها.
وفي الوقت الراهن لعبت أفلام أميركية مهمة، أدواراً في تغيير أنماط سلوكيات المشاهدين، منها: (أوشن 8 - 2018 )، (القنبلة الشقراء - 2017)، (الشيطان يرتدي برادا - 2006) المخصص حول الموضة المعاصرة من خلال العلامة التجارية التي يحمل عنوانها الفيلم، وكذلك الفيلم التسجيلي (إصدار سبتمبر - 2009)، وغيرها..
وحينما نتحدث عن السطوة التي تمارسها السينما الهوليوودية التجارية، في تشكيل السلوك والمزاج العام، نتذكر ما قاله الرئيس الأميركي جورج بوش (الأب)، أثناء الاحتفال بالنصر في حرب الخليج الثانية: إن القرن القادم سيشهد انتشار القيم الأميركية، وأنماط العيش والسلوك الأميركي.
حرب الفساتين
من الاستوديوهات والأفلام، انتقلت صرعة الأزياء إلى المهرجانات والحفلات، حيث باتت مواسم دورية أو سنوية لاستعراض آخر الصيحات على أجساد الممثلات، فيما يمكن أن يطلق عليه تسمية «حرب الفساتين».
وكما تتنافس الأفلام على الجوائز، في مهرجانات مثل الأوسكار وكان والبندقية، وأيضا في المهرجانات العربية مثل دبي والقاهرة، فإن أشهر دور الأزياء تتنافس أمام عدسات المصورين، وتتولى أقلام النقّاد المختصين على الكشف عن العيوب والتألقات في التصاميم الجديدة.
ومن أكثر البيوتات العالمية التي تتنافس في هذه المناسبات: «ديور» و«ماركيزا» و«فيرساتشي» و«فالنتينو»، ومن العرب يتألق المصمم اللبناني إيلي صعب. وبطبيعة الحال فإن ما ترتديه النجمات فوق السجادة الحمراء، سواء في المهرجانات أو الحفلات، ويتكلف بعضها عشرات الألوف من الدولارات، فضلا عن تكلفة «الإكسسورات» الخاصة بكل زيّ، سرعان ما تتحول إلى هدف لنساء الطبقات الراقية والثرية، لكي يحصلن عليه ويرتدينه في مناسباتهن، تقليداً للشهيرات.
..............
مصادر:
1 ـ نجوم السينما
2 ـ مجلة الرائد، د. خالد القاسم
3 ـ FILM MAKING AND FILM MAKERS

http://www.baladnews.com/article.php?cat=26&article=96945