طارق شوقي VS مدارس بير السلم

بليغ حمدي ()

الأحد, 17-سبتمبر-2017   06:09 صباحا

طارق شوقي VS مدارس بير السلم

 

لابد وأن يعلم السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس جمهورية مصر العربية أن وزير التربية والتعليم يأخذ من رصيده لدى المصريين ، وأن تصريحاته وقراراته تكرس لثقافة زعزعة الثقة وانعدام الطمأنينة في الدولة والتي يسعى الرئيس عبد الفتاح السيسي جاهدا ومجتهداً بإخلاص ووطنية في تدعيمها وتثبيتها ضد كل محاولات الزعزعة والتقويض والمؤامرات الداخلية والخارجية . فبداية المشهد أنه لم يألف طارق شوقي وزير التربية والتعليم غير المتخصص على دخول الاختبار ـ الذي يسميه هو امتحانًا كونه غير متخصص ـ  منذ وقت طويل، فبعد حصول الأكاديمي على درجة الأستاذية ومثوله أمام لجنة تضم النخبة من الأساتذة والعلماء فوق الخامسة والستين وتقييم أبحاثه ودراساته لا يخضع لأية اختبار أو امتحان حقيقي، اللهم إلا اختبارات وامتحانات المنصب وكرسي الوزارة ، وعله يدرك أن مهمة وزارة التربية والتعليم ابتلاء أسأل الله سبحانه وتعالى أن يثبته فيه. 

ومع هذا فالوزير طارق شوقي تنتظره ورقة امتحان ليست بالسهلة واليسيرة، وسبحان الله من لفظة امتحان فهي من المحنة وما تستدعيه هذه الكلمة من مأزق ومأساة وموقف حرج بالقطع وهو صاحب الكلمة تأكيدا على عدم تخصصه التربوي . وكم من وزير جاء ليتربع على كرسي الوزارة لاسيما التربية والتعليم ، جاء وعبر ومر ، إلا أنني لاحظت أن كثيرين يضعون الوزير الجديد موضع المنقذ رغم أن توجهاته الفكرية لا تصب في مصلحة الأسرة المصرية بقدر ما تصب في مصلحة التعليم الاقتصادي لأنه بالفعل وثيق الصلة والحضور بفعاليات المدارس الدولية التي تمنح شهادات لكنها لا تمنح علما.  

ولقد حملت أمانة من بعض أولياء الأمور، والمعلمين، والطلاب أيضاً ، عبارة عن مجموعة من الأسئلة التي ينبغي أن توجه لطارق شوقي الوزير غير المتخصص، ولأنني لا أعرفه شخصياً فقد يمنعني مدير مكتبه الذي بالضرورة قد تغير وبُدل بمدير جديد، وهذا ليس بدعة لأننا نهتم بتغيير الأفراد قبل تغيير السياسات، وقد يمنعني سكرتيره الشخصي من مقابلته بدعوى أن الوزير مشغول جداً بأمور الوزارة وملفاتها الساخنة والشائكة وتصريحات الوزير غير المسئولة وربما غير المنضبطة أحيانا أخرى ، وأن أسئلتي تلك التي سأذكرها قد تعكر صفوه، وتغير مزاجه ، ومن ثم تعيق تنفيذ سياساته التعليمية المرتقبة. 

لذا فلقد فكرت أن أنقل له هذه الأمانة من خلال مقالة تحمل هموم مجتمع يكترث بالتعليم اليوم أكثر اكتراثا بوزير لا يفطن عنه المجتمع أية معلومات أو خبرات أو نجاحات قبل توليه الوزارة ، وحرصت أن أجعل الأمانة في صورة أسئلة اختبارية  إجبارية لا يستطيع الممتحَن أن يترك سؤالاً واحداً منها، لذا أدعو للسيد الدكتور طارق شوقي بالتوفيق في الإجابة عن تلك الأسئلة.

 

فعلى السيد الوزير ذي الخلفية الاقتصادية والصناعية أن يبادرنا بأسباب جملة القرارات الثورية التي فاجأنا بها منذ شهر تقريبا والتي أصاب بها الأسرة المصرية بالخلل وقلق التفكير بشأن خططهم اليومية والأسبوعية والشهرية لكنه ـ الوزير ـ لم يعبأ بأي أعباءنفسية قد تصيب الأسرة المهم أنه يفكر في إحداث نقلات يراها نوعية حسبما رأها في أنماط التعليم البهلواني والمعروف بالتعليم الدولي وهذا النوع الدولي والأجنبي والبهلواني من التعليم أشبه بالتلفاز في أيامنا الراهنة ، وهو تلفاز حسب توصيف الناقد والكاتب والشاعر عبد العزيز المقالح نجح في الاستيلاء البصري ، وهكذا بات الإنسان مستلبا سمعيا وبصريا يتقبل ما يصل إلى أذنيه وعينيه من ثرثرات إعلامية جوفاء ، وكأنها حقائق ناصعة لا تقبل الشك ولا تحتمل الرفض ولهذا ومن هنا أيضا تراكمت الأخطاء وغاب الفكر النقدي وتعطلت أو كادت مدركات الإنسان الذهنية والعقلية . 

وكنت أعرف أن نوعية التعليم الخاص والموجه استفحلت أيام مبارك الأخيرة وسنواته المنصرمة حينما بدا للقاصي والداني أن نجله المكلوم في فقده وراثة عرش مصر من أجل تكريس وتدعيم وتدشين جيل له سمات نوعية أيضا منها القدرة المباشرة على الاستلاب بغير مقاومة وأيضا سلخ الناشئة من معطياتهم الوطنية والقومية الراسخة ، هذا ظني وزعمي الذي قد يكون غير صادق تماما ، لكن المشهد يفي بأن مجتمعا يعاني من مسألة عصية تتلخص في وجود فئتين لا ثالث لهما فئة الثراء الفاحش الذي تسعى مؤسسات الدولة حاليا إلى محاسبتها بطرائق قانونية درءًا للفساد ، وفئة الفقر القاتل المتمثلة في الحالات التي نشاهدها عبر الفضائيات التي لا تعرف المياه الجارية بغير انقطاع أو الكهرباء ذات اللمبات الموفرة للطاقة التي شاهدنا آثارها الإيجابية في مسلسل الأطفال عصام والمصباح ، وطبعا الطبقة البرجوازية أو ما اتفق على تسميتها بالطبقة المتوسطة حسب أدبيات فريدريك إنجلز وعشيرته المريضة بوسواس الماركسية والمادية التاريخية والمهلبية والملوخية فلم يعد لها وجود حقيقي في ظل تسارع وتصارع بين الفئتين السابقتين . 

فالأثرياء يلهثون وراء دعاية أراها كاذبة وأصحابها يرونها يقين الصدق وعين الحقيقة ، مدارس أشبه بالملاهي وحدائق بيفرلي هيلز ، وفصول مكيفة الهواء تتسع لعشرين طالبا فحسب وسبورات إليكترونية تزيد أولياء الأمور المغمورين غير التربويين هوسا في التحاق أبنائهم بهذه الكرنفالات التعليمية القائمة على الأنشطة والترفيه . ومعظم المدارس الأجنبية أو الدولية أو التي تنسب نفسها لدول بعينها في ظل غياب الرقابة التعليمية وانشغال الوزارة والمهمومين بقضايا التربية بتعقب اللصوص الإليكترونيين الظرفاء وانتداب المعلمين لأعمال المراقبة والامتحانات في أماكن قاصية .

هذه هي المدارس التي افتخر طارق شوقي بزياراتها لأنه باختصار شديد تربطه علاقات وطيدة جدا ببعض المشرفين والمسئولين على هذه المدارس والذين يدعون كل صباح بأنهم أكثر وطنية من هؤلاء الجنود المرابطين على الحدود لكنهم بحق ـ لأنني أعرف بعضا منهم وأعلم سيرهم الذاتية ـ حفنة من المرتزقة اللاهثين وراء الشهرة والمال.

وهناك ملمح آخر لا يفطنه طارق شوقي الأكثر انتماء للجامعة الأمريكية لا للتعليم المصري الأصيل عن المنتج الحقيقي للمدارس التي يتفاخر بأنظمتها التعليمية ، فالمدارس الأجنبية والأخرى التي تتفاخر باتباع دول أوروبية في مصر لها عندي مجرد استفسار غير برئ ،ماذا قدمت لأبنائنا من طرح رياضي أو فكر رياضي يسهم في الارتقاء العلمي ؟ السياق يفيد بأن الرياضيات هي مفاد تقدم الأمم لتكوين الحضارات المتينة ، ومن أمتع ما قرأته مؤخرا ما كتبه الأكاديمي السوري المتخصص في الرياضيات الدكتور محمود باكير بعنوان : لماذوا تقدموا ولماذا تأخرنا في ظلال الرياضيات ؟ ، وهو يرصد في طرحه النظري أن المجتمعات المتقدمة تعيش على إيقاع معين مضبوط في كل نواحيه كنتيجة طبيعية ومنطقية لتعليم الرياضيات في المدارس ، وأن ما يميز تلك المجتمعات الراقية تعليميا وليس من ناحية الشكل والمدارس الترفيهية وحفلات السمر والاحتفاءات المهرجانية التي تحمل أسماء مثل يوم الألوان ، هو عملية التوثيق في كل شئ لضرورة بقائها ، بخلاف منطق الشفاهية الذي لا يزال يجتاح نظامنا التعليمي النظامي وغير النظامي . 

ولقد أخطأ طارق شوقي لأنه قبل الوزارة فور تكليفه وهو يعلم المهمة الصعبة المقبل عليها وأنه مفقود بحكم التاريخ نظراً لأنه سيدفع فاتورة الأنظمة التعليمية السابقة منذ عهد محمد علي باشا ، وأن التاريخ لن يغفر له أية هفوة تصدر عن أصغر حارس يقف على باب مدرسة تقع بأصغر قرية مصرية فقيرة تعليميا واقتصاديا وديموغرافيا . لذا قد يفاجئ السيد الوزير بأن كثيرا من المصريين سيتقدمون ببلاغات إلى الشرطة والنيابة  لحين إقالته بإذن الله أيضا بأنه يهدد حياة الطالب النفسية بتصريحات وقرارات تبدو موتورة من شأنها زعزعة ما استقر في ذهنه من قيم ومعايير ومؤسسات مجتمعية آخرها أن سبب أزمة التعليم هو كليات التربية . 

ولاشك أن ملف التعليم وتطويره  يشكل صداعاً مزمناً ليس بعقل الوزارة وحدها، بل برؤوس وعقول الطلاب وأولياء الأمور والمدرسين الشرفاء الذين ينأون بأنفسهم عن مهزلة الدروس الخصوصية، فأنا تعجبت من الوزير الجديد حينما أعلن أنه قد يقنن ظاهرة الدروس الخصوصية مكتفيا بالقناعة والرضا وضعف اتخاذ القرار بشأن استفحال الظاهرة الخبيثة ، غير مبالٍ بحالات من الهم والعبء النفسي والعقلي الذي يتحمله كل بيت على أرض المحروسة.

وفي واقع المشهد أنا مشفق على الوزير المسكين  فعلاً لأنه فاشل في تحقيق النجاح التعليمي وتنمية المهارات لدى الطلاب بقدر ما هو قعال في اتخاذ القرارات وإصدار التصريحات العجيبة والمدهشة القريبة من الكوميديا ، وربما أكون مستبداً متناسياً أي إنجاز لوزارتك التي لم تنجز شيئاً بالفعل فلا خطابة ولا إبداع ولا مسرح مدرسي متميز ولا نشاط رياضي حقيقي فقط اختبارات وامتحانات وأنشطة ورقية واستخفاف على العقول تحت مسمى الجودة التعليمية والاعتماد المدرسي . ولقد تناسيت أي دور لك أمام مشكلة تطوير الكتاب المدرسي لأنك مشغول بالتابلت والآي باد وبخط الإنترنت غير المحدود . 

وهذا ما يصنعه الوزير اليوم مع إضافة لمسته الخاصة أو ما يسمى بـ ( التاتش ) الخاص به وهو سكب مزيد من المرارة واليأس والإحباط وقلة الحيلة والفشل المحتمل ، وكم أنا متعجب من اعتراض وزيرنا المجتهد من وجهة نظره والمحيطين بمكتبه بالتأكيد من كون احتلال مصر المرتبة الأخيرة طبقاً لما أورده تقرير " تنافسية التعليم " وربما لهذا الاعتراض جاء إلى الوزارة وهو في غفلة عن حاله ومقامه وطلابنا ومدارسنا ونظامنا التعليمي بأكمله.

والوزير كل ليلة وكل يوم ( مع الاعتذار للأغنية ) يؤكد حاجتنا إلى المليار جنيه لذلك لابد من إلغاء الشهادة الابتدائية حسبما فهمت من تصريحاته وقراراته التي يدشنها حفنة المشرفين على المدارس الدولية المحيطين به وبرأسه ، والوزير لا يزال يتحدث عن التعليم متمثلاً فقط في المدرسة كمبنى خرساني معماري فقط ، ولم أسمعه على مسئوليتي الشخصية يتحدث عن المنهج المدرسي كيف يكون اللهم سوى عبارات عامة مبهمة غير متخصصة ولا ينبغي أن تصدر عن وزير للتعليم المصري ، أو طبيعة التعليم الاستشرافي المتوازي مع الخطة الاستراتيجية للدولة وكأنه ينفذ أجندة أجنبية ممولة لجهات خارج مصر لا وفق توجهات الدولة ، أو الرؤية والرسالة أو المنتج الثقافي من عملية التعليم ، والأخطر والأدهش والأعجب قلة ثقافة المحاورين له وجهلهم الصارخ بقضايا التعليم لأنهم لم يكلفوا أنفسهم البحث عن أسئلة تشمل جودة التعليم والحوكمة والمشاركة المجتمعية وقدرات التفكير والتوعية الثقافية .

ونجد الوزير متحمساً ومتحفزاً وهو يتحدث عن عدم الحديث عن السياسة في المدارس ، وعدم جواز مناقشة المعلم لطلابه في الأمور السياسية وأن الوزارة أعطت تعليماتها الصارمة المانعة والجامعة بمنع الخوض في الشئون السياسية الراهنة ، وليته كان أكثر تحفزاً وهو يقارن مناهج تعليم مهارات التفكير في المحروسة مصر وبقية دول العالم لا من ناحية الشكل بل المضمون والمنهج لكنه يضمر عداوة شبه معلنة لخبراء التربية المرموقين الذين طوروا كافة أنظمة التعليم العربية لكنه لم يستعن بهم من أجل إرضاء بعض المحيطين به وبوزارته ، وليته فعل خيراً بإعطاء أوامره ونواهيه أيضاً بشأن الرقي بمستوى توظيف بنك المعرفة المصري الذي يتفاخر به ولم يعلم أن وزارته تمنح الطلاب شيكا بنكيا بغير رصيد لأن الوزير لا حساب له في بنك التعليم .

إن التعليم قبل الجامعي يعاني بحق قصوراً مدهشاً ، أدى إلى عزوف أفراد الشعب عن مواصلة التعليم والبحث عن المعرفة، فالمواد الدراسية التي يدرسها طلاب المرحلة الثانوية العامة لا تفي بمعطيات واحتياجات سوق العمل والعلم معاً، واستمرار مسلسل ثقافة الذاكرة الذي يعرض منذ سنين بالتأكيد سيقذف بالتعليم إلى هاوية سحيقة لا نهوض له بعدها.وأخيراً أقولها صادرها بتنبيه القائمين على مستقبل التعليم قبل الجامعي في مصر ببيت شعر للسهروردي حينما قال:

والمرء يقرح بالأيام يقطعها *** وكل يوم يدنو من الأجل

http://www.baladnews.com/article.php?cat=18&article=96373