رمضان مصر .. الشيكا بيكا والمسحراتي

مصطفى نصر (القاهرة)

السبت, 10-يونيو-2017   03:06 صباحا

رمضان مصر .. الشيكا بيكا والمسحراتي

حدث منذ فترة ليست بالبعيدة، أن تحولت أرض زراعية في الصعيد - مملوكة لأسرتنا - إلى أرض بناء، ومررنا بفترة عصيبة، فبعض أقاربنا هناك يريدون التدخل – على أمل أن ينوبهم شيئا من البيع، وتم البيع بعد تمثيليات ومحاولات ليست كريمة من بعض أهالي بلدتنا. فهم يعاملون أقاربهم – أصحاب الأرض – الذين يعيشون بعيدا، على إنهم غير مستحقين لثمن الأرض، فهي خسارة فيهم.

وتم البيع كما أرادوا، وتم توزيع المبالغ على المستحقين وهم كثر. ناس أتتهم أموال فجأة، لا هم رأوا الأرض ولا يعرفون حجمها ولا قيمتها. فقررت أسرة من هؤلاء الاحتفال، بأن يشتري كل فرد منها ديكا روميا ويرسلونه للطاهي، فيقوم بطهيه وإضافة ما يستحقه من توابل وأشياء أخرى نظير مبلغ معين.

وهذا ما كان يحدث في مصر في شهر رمضان أيام زمان.

فقد كانت حوانيت الشرائحيين تقوم إلى جانب المطاعم، وهي التي يرسل إليها الأغنياء والمقتدرون ما يريدون طهيه من لحوم وخضروات، فيقوم الشرائحي بطهيها بعد خلطها بالتوابل والبهارات، وردها إلى أهلها في منازلهم مع صبيانه في قدور مغطاة لحفظها من الغبار ومن عيون الناس، لقاء أجر معين يأخذه من زبائنه.

الشيكا بيكا

جاء رمضان – في بداية شبابي – في فصل الشتاء، جو بارد لا يطاق، لكنني كنت أخرج كل ليلة لاجتمع بأصحابي، نجتمع في الحارة، ثم نذهب لشارع النصر. وهو شارع جديد، أنشأته عصا عبداللطيف البغدادي السحرية – وزير التخطيط في ذلك الوقت – فقد كانت البيوت القديمة والمتهالكة تحيط بباب الجمرك رقم 10– الذي يخرج منه ركاب السفن التجارية. فتمر السيارت وعربات الحنطور بين الأزقة، فيرى السياح هذه البيوت القبيحة المنظر. فقررت حكومة الثورة تعويض أصحابها وإقامة شارع جديد يبدأ من باب 10 ويصل للبحر.

تم بناء مبان جديدة في شارع النصر، عاش في بعضها الروس الذين كانوا يعملون في السد العالي وبعض المشاريع الأخرى، وتكونت مناطق كبيرة خالية في بداية الشارع، استغلها البعض وقتها وأقاموا عليها سرادقات فيها أشياء متنوعة منها: غناء شعبي، الدخول بقرش صاغ، وغازية ترقص، ثم تمد "التار" وتسير بين المشاهدين ليضعوا قروشا في "تارها". وسرادق آخر فيه رجل يضع على ساقيه تمثالا ذا فم أسود متحرك، اسمه "الشيكا بيكا". ويتحدث الرجل بصوت قريب لصوت الأراجوز، وهو يحرك شفتي التمثال فيظن البعض أن التمثال هو الذي يتكلم. وسرادق آخر فيه بقرة بخمسة سيقان، وسرادق مضاء بكلوبات، فيها جميع أنواع القمار، وكان معنا صديقان يخسران كل ليلة في هذا السرادق.

ونذهب بعد ذلك إلى حي اللبان، في شوارع: ابن بطوطة، والقاضي الفاضل وشارع الجنينة وغيرها، فنجد سيدات يجلسن على الأرصفة، ينظرن إلينا في إمعان، على أمل أن نطلبهن للمتعة، فهن بقايا الكومبكير "الذي كان مصرحا به في هذه المنطقة قبل إلغائه.

مما تلاحظون أن هذه الأنشطة تتقاطع مع المفروض أن يكون في شهر رمضان، شهر العبادات والذكر والقرآن. وهذا ما يقوله المقريزي عن شهر رمضان في القاهرة أيامه، فيقول: "... ولكن الحياة في سوق الشماعين لم تكن دينية خالصة، وإنما لها جانبها الدنيوي، وحتى السيئ منها، فإن حوانيت سوق الشماعين تظل مفتوحة طوال الليل، وكان يجلس به بالليل بغايا يقال لهن (زعيرات الشماعين) لهن سيما يعرفن بها. وزي يتميزن به، وهو لبس الملاءات والطرح. وكن يعانين الزعارة، ويقفن مع الرجال المشالقين في وقت لعبهم، وفيهن من تحمل الحديد معهم".

المسحراتي

في ليلة باردة من ليالي رمضان، أتممت مذاكرتي مع قريبي، الذي يسكن البيت الذي كانت تسكنه جدتي، وقضيت فيه سنين طويلة قبل أن تعود جدتي للصعيد وتقضي باقي عمرها فيه. وكدت أخرج من باب البيت، فوجدت المرأة التي تسكن حجرتين على الشارع في الدور الأرضي؛ تطلبني.

كانت تغطي رأسها بغطاء اتقاءً للبرد، طلبت مني أن استدع لها المسحراتي الذي ينشد في البيت المقابل، وسرت نحوه، كان يدق على طبلته، ويمليه شاب أصغر منه سنا يمسك مصباحا لينير له، والمسحراتي ينشد لكل اسم أغنية، قلت له:

- امرأة تطلبك.

فقال في ود شديد:

 -انتظرني.

لا يريد أن ينهي مدحه لاطفال البيت، ولا يريدني أن أذهب ليعرف مكان المرأة التي تريده. فهي حتما ستعطيه مالا أو شيئا من الكعك الذي صنعته.

وقفت خارج البيت حرجا؛ والهواء البارد يجعلنى أتكتك. أخرجت المرأة رأسها ثانية لكى تتأكد من أننى أحدثه فعلا.

أذكر جيدا يوم أن جاءت هذه المرأة إلى البيت، كنت صغيرا، سمعت وقتها أن الحجرتين المطلتين على الشارع فى الدور الأرضى؛ ستسكنهما عروس جديدة. والعريس هو "حامد فهيم" الذى يسكن البيت المجاور لبيت جدتى، مع أبيه وأمه.

كان حامد فهيم يعود من عمله عابسا، يسب أمه ويضرب شقيقه الأصغر، أو شقيقته الصغيرة، فيجرون منه خائفين. وأبوه هادئ لا يتدخل في شيء. بعد العصر تقريبا، يغتسل ويرتدي ملابس نظيفة، أنيقة. ويذهب إلى دكان صديقه الخياط الذي يحيك له بدلته وبدل معظم شبان الحى. يجتمع حامد مع أصدقائه، يدخنون أحيانا، أو يذهبون لحضور حفل زفاف صديق، أو قريب لأحدهم، فيدخنون ويشربون البيرة في الحفل.

كان التعارض واضحا بين العروس، وبين زوجها، فهي أكثر طولا وعرضا، دائمة الابتسام، ميالة إلى الضحك والمزاح، بينما هو شديد النحافة، إذا سار تحس أن به عرجا خيفا، كما أنه لا يطيق المزاح، لقد بكى في حفل زفافه لأن أقاربه لم يعاونونه كما كان ينتظر. فأبوه وأمه – كعادتهما – لا يتدخلان في شيء.

عند ظهر كل يوم تمتلئ الجدران بالشمس والذباب يغطيها تماما. كنت أنا وباقي أطفال الحارة نفض الذباب ونصعد الحائط، ننظر من خلال النافذة المواربة إلى الحجرتين، رأينا العروس نائمة فوق الأرض برداء عار، وحامد مستلق بعيدا عنها؛ فوق الأرض أيضا. كان مشهدهما غريبا علينا، فكأهما ماتا وهما يحاولان الفرار من شيء ما؛ فارتميا على الأرض في مكانهما الذي رأيناهما فيه.

تردد في البيت بعد ذلك، أن حامدا أضعف من العروس، وأنه لا يذهب إلى عمله إذا باشرها في المساء، فينام مريضا، وتزوره أخته التي تسكن بعيدا عن الحي، وتأتيه أمه حاملة طبيخها، فيأخذه منها ويطردها من الحجرتين، غاضبا لأي شيء، فكل تصرفات أمه تضايقه.

وشاع في البيت – أيضا – ما تفعله العروس بحامد، إذ تمازحه كثيرا، وهو يضيق بها ويثور عليها، لكنها لا تكف أبدا عن مزاحها معه. يحاول أن يضربها، لكنه لا يستطيع، فهي أطول منه وأقوى. تراوغه وتهرب. يعلو صوته حتى يسمعه كل من في البيت. وتأتي أمها- أحيانا – لفض المشاكل بينهما.

ابتسم لي المسحراتى، وضع يده فوق كتفي:

- معذرة، كان لا بد من الانتهاء.

كانت عيناي تدمعان من شدة البرد، سرت معه إلى البيت. قال لها:

- تحت أمرك.

نظرت حولها قلقة، ثم قالت:

- أدخل.

أسرع الرجل إلى المدخل وتبعته، بينما مساعده ظل في الخارج حاملا مصباحه. أخرجت من صدرها مبلغا من المال، دسته في يده، قبله الرجل فرحا، فقد كان أكبر من المتوقع. قالت:

- ذهب زوجي ليأتي بأمي، وسيسألانك إن كنت أمليت اسمه مع أطفال البيت لتمتدحه، أم لا.

- اسم زوجك؟

بدا الرجل حائرا، لا يدري ما الذي حدث، قالت موضحة:

- لقد كتبت اسم زوجي مع أطفال البيت مداعبة، ولقد مدحته - أنت – منذ قليل وكأنه طفل صغير.

ضحك الرجل قائلا:

- فهمت كل شيء.

قلت لها:

- تريدين شيئا مني؟

قالت: لا، شكرا .

http://www.baladnews.com/article.php?cat=16&article=95585