كثافة اللون في أعمال التشكيلي عبد القادر الريس

محمد البندوري (القدس العربي)

الأحد, 11-فبراير-2018   02:02 صباحا

كثافة اللون في أعمال التشكيلي عبد القادر الريس

إنه مجاله الفني الذي يرتكز على عدد من المقومات الفنية والحضارية، وعلى عُدة من المعارف التشكيلية والعوالم الفنية والذوقية، التي تندرج ضمن نسيجه الثقافي والاجتماعي، يتحكم المبدع في تدبيره وإدارته رسما وتعبيرا، وأيضا يوظفه بشكل رونقي. فالطلاء والتدقيق في الوضع وإدخال مفردات فارقية بشكل مروني في قلب المنجز؛ كلها استعمالات ذات قيمة محسوسة يتم تفعيلها في الفضاء، بمقوّم تأثيري وبرؤى فلسفية متناسقة، تؤكد أهمية التنوع المفرداتي داخل المنجز
يعتبر التشكيلي الاماراتي عبد القادر الريس أحد الوجوه المألوفة في الساحة التشكيلية العربية ، التي تشتغل على الفن الواقعي والدوال الفنية، وهو يستقي مادته التشكيلية من الواقع الحضاري لبلاده، وفق مسالك متنوعة تغذي جميعها أسلوبه التشكيلي الواقعي الذي يتميز بمقومات وتفاعليات وجماليات مختلفة، سواء على مستوى البناء الفضائي أو على مستوى التقنيات العالية الموظفة، أو على مستوى الاستعمالات المضامينية والجهاز المفاهيمي بكل مقوماته.
ويبدو أن التباينات التي ينتجها تنوع أعماله، تجعل المادة الفنية في مجملها تروم صناعة مجموعة من العلاقات الجدلية، لبلوغ المعنى الأمثل وتشكيل لطخات تعبيرية صائبة مغايرة للمألوف، يؤطرها عبد القادر الريس بمجموعة من التقنيات والأدوات، وباستعمالات رمزية وحروفية وعلاماتية. فهو يبني فضاءات أعماله باعتماد المادة الواقعية، باعتبارها بؤرة قابلة للتركيب والتطويع والتجديد. فهو بذلك يروم التعبير وفق نسيج لوني ورمزي وعلاماتي يتم توظيفه واقعيا، وفق أبعاد وقيم، بطرق فنية يتوخى من خلالها بسط الصيغ الجمالية المتنوعة والمسلك التشكيلي الأميَز، لجعل المادة الفنية باذخة الملمح الفني، باعتبار واقعية المنجز التشكيلي لديه، وما يلفه من منمنمات وتعابير ورموز وألوان تطلق السيولة التعبيرية، لتفصح عن دلالات ورؤى ومعان متعددة.
الواقعي والأسلوب التعبيري المتعدد المضامين، والمنساق في مسار تجديدي يروم التكثيف، من خلال طلاء استيتيقي، حيث يعكس بشكل قوي ذاك التسامي التشكيلي المبني على أسس بصرية. وهو ما يعِد بنوع من الارتقاء والابتكار في العمل الإبداعي لديه.
وبذلك يكمن البعد الجمالي في اعتماد الطقوس الفنية المخترقة للمنجز الواقعي، فضلا عن الكثافة اللونية التي تتحطم عند المفردات والعلامات والمنمنمات الدخيلة في سياقات منسجمة، لأنها تتأسس على ثوابت تصورية وصيغ جمالية خاصة با لريس، فالحبكة والدقة التصميمية تزيد أعماله قيمة فنية في الساحة التشكيلية المعاصرة. ولا شك في أن العلامات التي تتوزع داخل الكثافة وهي تحاكي الطبيعة، أو مفردات واقعية، تأتي في سياق التردد والتطابق لتمنح المنجز الفني نوعا من الاختلاف والتنوع في الرؤية، وفي الصيغ الجمالية.
 كما أن الألياف الصباغية والكتل التي يصنعها المبدع وفق منظور مترامي الأبعاد، يمنح أعماله الحركة ويضفي على النص التشكيلي نسقية متوالية من التعبيرات المفعمة بمجموعة من الدلالات الصورية، والمغازي العميقة. وهو ما يشكل انفتاحا على عوالم أخرى ما يُنتج دينامية جديدة وتنوعا في مختلف عمليات الطرح الفني. ويتبدى ذلك خاصة في استعمال الكثافة اللونية بتمظهرات متباينة، تفاجئ القارئ بنبضات تحولية، تلامس جوهر الجمال المستقى من المشهد اللحظي التأملي الذي ينحت منه المبدع لغة تشكيلية للإثارة والانجذاب البصري. وتلعب فيه التقنية المستعملة والمهارة دورا رئيسا، بما تحمله من ربط تقني يزيد من إنتاج الصورة الواقعية في حلة تخييلية جمالية يعبر من خلالها المبدع بانطباع ذاتي، ووفق خطاب حسي، ومن منطلق ابستمولوجي يأخذ بعين الاعتبار المجال السيميولوجي ليخاطب الحس والعقل والبصر. وهي تعكس معاني ومعارف عميقة، وإمكانات تعبيرية تمنح القارئ إشارات للتفاعل مع جوهر المادة التشكيلية. إنه مسلك ممتد في الزمن وأسلوب مائز له خصائصه الفنية وصيغه الجمالية وعوالمه الإبداعية وأشكاله المعاصرة.

http://www.baladnews.com/article.php?cat=10&article=97144