«البيت الأزرق»: هزيمة الراوي أمام شخصيات روايته

خالد الحروب ()

الخميس, 11-يناير-2018   01:01 صباحا

«البيت الأزرق»: هزيمة الراوي أمام شخصيات روايته

ثمة ارتباك غامض يمس قارئ رواية «البيت الأزرق» لعبده وازن (الصادرة عن دار ضفاف، 2017)، يحيرنا مصدره. ربما هو ارتباك ينتقل إلينا بالعدوى مصدره ارتباك شخصية النص الأساسية «بول»، الثلاثيني الانطوائي دارس ومُحب الفلسفة، لكن المُنعزل تدريجياً عن البشر، والمُتهم ظُلماً بجريمة قتل لم يبذل جهداً في إنكارها.
مكان الرواية مدينة جونية اللبنانية وأحياؤها بما فيها من مقاه وكنائس وجمال بحري ساحر أربك بشراً سابقين منهم، الأتراك والفرنسيين ممن اعتبروها الخليج الأجمل على المتوسط. تتناقض جماليات المكان مع كآبة الأحداث وتراجيديتها، فيتضاعف إرباك «بول» لنا ونحن نقرأه بهلع ونرى تسليمه بمصائره المأساوية. نتمنى لو كان يسمع نصائحنا ونحن نتنقل بحزن بين الصفحات ونحثه على أن يفعل كذا وكذا لتفادي تلك المصائر. نشعر بالعجز عن مساعدته، وبالحنق الأخوي عليه لعدم انتفاضه على قدر سخيف قاده إلى السجن ثم إلى مشفى المرضى النفسيين من السجناء، «البيت الأزرق»، حيث انتهى به الأمر مُنتحراً ببطء. ربما هو الاستسلام المديد لذلك القدر الأهوج، كما مارسه «بول»، السبب في ارتباكنا كقراء، وهو ما دفعنا أيضا إلى النقمة على كل الذين من حوله وتسببوا في انقصاف حياته الشابة. وتمتد نقمتنا لتطال صديقنا عبده وازن لاستفزازه أعصابنا ببطء، وهو يأبى أن يتدخل لإنقاذ «بول» من المآل المحتوم الذي انتظره، بعدما ورطنا في حبه!
قصة «بول»، كما يروي وازن، كتبها لنا روائي وصلته «مخطوطة» كتبها «بول» نفسه قبل أن يموت، وأودعها في عهدة الأب جورج نادر، رئيس جميعة خيرية كانت تُعنى بزيارة نزلاء «البيت الأزرق» وتقدم لهم العون والرعاية الخارجية. الأب جورج حفظ وديعة الراحل وقرر أن يعهد بـ«المخطوطة» إلى من يقدر مضمونها، ومن قد يرى فيها نصاً صالحا للنشر. الروائي الذي سلمه الأب جورج المخطوطة تلك، كان يتخبط أصلاً في كتابة الفصل الأخير من آخر رواياته، وفي كيفية صوغ النهاية والخاتمة للشخصية الرئيسة في نصه. كان قد رسم لها مسارا انتهى بها في هاوية اكتئاب سوداء تُفضي إلى انتحار متوقع. لكن بعد مرور عامين على غرقه في الرواية ما عاد بإمكانه الحسم في نهايتها. مع وصول مخطوطة «بول» إليه، ارتبك الروائي بين حماسه المفاجئ لاستكناه قصة «بول» ودوافع انتحاره وصوغها، ولاحماسته الطاغية لاستكمال روايته ذات النهاية المستعصية وإسدال الستار على فصلها الأخير.
عوضاً عن مواجهة النهاية وولوج معارجها التي تزداد صعوبة ومشقة، تبدى للراوي أن الشروع في بداية جديدة أكثر إغراء وسهولة. كأن النهايات عندما تتكثف في مسار عتيد وراسخ تتعقد ملامحها وتستعصي على أصحابها حتى لو كانوا ينسجونها من الخيال. تصبح النهاية مستقلة ذاتياً ترسم نهايتها بنفسها، أو ربما تمتنع عن تلك النهاية أصلاً، وتشل قدرة الراغب في تسطيرها حتى لو كان ذلك الراوي نفسه في «البيت الأزرق»، أو ربما تمردت تلك النهاية أيضا على عبده وازن ذاته كاتب الرواية وكاتب «البيت الأزرق» كليهما. تخط النهاية ما تريد، فتُبقي على نفسها مفتوحة على احتمالات شتى، تربك الكاتب والقارئ وشخوص الرواية، وتدفعهم إلى الوراء، هرباً في مسارات معلومة لما قد حدث، أو بحثاً عن بدايات جديدة من السهل عليهم افتتاحها، لأن حدثها ما زال طريا برسم التحكم ولما يترسخ بعد. الروائي يعجز عن صوغ النهاية، فيما «بول» الشخصية الحقيقية يكتب مأساته كما عاشها ويرسم نهايته بدقة كما ماتها. «بول» هو الحقيقي والراوي الذي انهمك في جمع خيوط حياته كي يكتبها، وعبده وزان من ورائه، ظلا يحومان في خيال مرتبك حول «بول». براعة الرواية تكمن هنا بالضبط في خلط البدايات والنهايات، في سخرية الواقع من خيال الروائي، في قدرة الفرد التراجيدية المهولة على رسم النهاية في الواقع، وفي عجز الروائي عن اجتراح النهاية في الخيال. «بول» لا يكتب رواية في مخطوطته المكتوبة بالرصاص، ترميزاً على تفارق هشاشة الشكل مع جوهرية المضمون. يصوغ بلغة ركيكة تختلط فيها العامية بالفصحى حدث الحياة وقسوتها وجبروتها، وفيها يظل هو المتلقي لأحداث تصنعها الحياة وناسها المحيطون به. «بول» المستسلم الأكبر لسفالات اللصوص الكبار وتجار الدعارة والمخدرات، يظل تفصيلاً صغيرا لا معنى له في حياة لا معنى لها عندما تسحق أناسا كثراً من طينته. المفارقة الكبرى في قصة «بول» صانع الأحداث الأقل، وضحية الأحداث الاكثر، هي أنه صانع النهاية الأوضح والأكثر صرامة، وراسم تفاصيل الانتحار البطيء الذي أقدم عليه عبر التوقف لأسابيع عن الطعام.
لكن «بول» الذي يبدو لنا عديم الإرادة أمام طوفان الحياة يمتلك إرادة الفلسفة. تتجلي في قلبه أسئلة وجودية صعبة، فيرى جوهر الأشياء بصفاء يُذهل استاذه «الأب بيير» حامل دكتوراه اللاهوت والفلسفة، ويدفعه للإقرار: «لقد أثر فيّ بول… أيقظ في نفسي أسئلة ما كنتُ اجرؤ على طرحها بصفتي راهبا. لقد هز إيماني وجعلني أكتشف أنني أحيا بعيداً من الجوهر». جوهرية «بول» هي صلابته وطرواته في الوقت ذاته. كأن تعمقه في دراسة الفلسفة والإبحار في نصوص كبار من كتبوا فيها، ثم مساجلته لهم بينه وبين نفسه ومع أستاذه الراهب، نزعت منه أي شراسة تستوجبها الحياة كي تُعاش. طهرت عقله وقلبه من الأحكام المُسبقة على الآخرين، كل الآخرين، اياً ما كانت أديانهم أو ألوانهم أو ميولهم الطائفية أو السياسية أو الجنسية. في إقامته القصيرة في «البيت الأزرق» أحبه جورج المتحول جنسيا إلى جورجينا، الذي كان محط احتقار واستغلال وبذاءات المساجين. «بول» لا يطلق حكماً على أحد ولا يحتقر أحداً. من يوم أن ترك دراسة الفلسفة في الجامعة بدون سبب رغم تفوقه فيها واكتشافه نعمه المشي صار إنساناً آخر. صار مشاءً يقطع المسافات الطويلة صامتاً، ويثير العجب والاستغراب من قبل من يعرفه ولا يعرفه. يزداد صفاؤه الداخلي ويزداد غموضه الخارجي. وحتى يُكمل مسيرة الانقطاع عن العالم البراني المُزعج، ويغوص في داخله الجواني الصافي، ادعى أنه فقد القدرة على الكلام. لا يريد أن يكلم البشر. يكفيه عنت الاستماع لهم. فلسفته في المشي ضاربة في العمق، يقول: «لم يكن يهمني أن أمشي بحثاً عن نفسي، أو للقاء نفسي بعدما فقدتها، كما يفعل المتأملون عندما يمشون. لم اتأمل يوما خلال تيهاني. كنت أسعى إلى التحرر من نفسي ومن الأفكار التي تنهكني، من الذكريات والماضي، كل ماضي، من حال اغترابي، من انتمائي وهويتي المفقودة أصلاً. أمشي لأتحرر من فكرة الهوية نفسها، من صفتي شخصاً ذا اسم وتاريخ. أمشي لأكون لا أحد، لأكون وحدي، حتى بلا ظل».
نُمسك بنهاية «بول» بوضوح. لكن بداياته كما هي بدايات الراوي الذي أراد كتابة قصته تبدو لنا باهتة وكأنها مفتوحة، على عكس ما تستهدفه نصوص كثيرة تُبقي النهايات مفتوحة. نهاية «بول» نعرفها من الصفحة الأولى حيث قضى مُنتحراً وترك «إرثه» الوحيد، نصه المخطوط. نهاية «بول» هي النهاية الأكثر وضوحاً في الرواية، فيما بقيت هناك نهايات تصر على البقاء في فضاء الانفتاح: نهاية شخصية بطلة الراوي الذي وقع أسير بطلة روايته وصار يؤلمه ان تموت انتحاراً، ونهاية الحب المفاجئ للراوي مع حبيبة «بول» السابقة «غادة»، وكأنها نوع مخفف من الخيانة، ونهاية «الأب بيير» أستاذ الفلسفة الذي درس «بول» وتاه في عشقه عشقا مثلياً صامتاً تعذب به. ووسط أولئك جميعاً نرى حيرة نهايات عبده وازن الممتعة تدور في طول وعرض النصوص التأملية التي اقتبسها كثيرا من أفواه كتاب وفلاسفة وروائيين، ومعه حيرتنا إزاء الأسئلة المعلقة، والحيوات المفتوحة، والبدايات والنهايات التي تقذفها الأقدار على البشر وتقذفهم معها كأحجار النرد.
.....
كاتب وأكاديمي فلسطيني
Khaled.hroub@yahoo.com

http://www.baladnews.com/article.php?cat=10&article=96953