أخي تشي .. ليس مجرد سيرة لجيفارا

كه يلان محمد ()

الخميس, 12-اكتوبر-2017   02:10 صباحا

أخي تشي .. ليس مجرد سيرة لجيفارا

على الرغم من رحيله المبكر، إذ أعدم وهو على مشارف الأربعين من عمره، لا يزالُ الثائر الأرجنتيني تشي جيفارا، حاضراً في كل حراك جماهيري ومظاهرات شعبية، في مختلف أنحاء العالم.
وفيما عجز المفكرون الشيوعيون في تجسيد الأممية، نجح جيفارا ليس في عبور منطقة جغرافية مُعينة بل بالقفز أيضاً على الحاجز الزمني، وتعتبره الأجيال اللاحقة على الثورة الكوبية والحركات التحررية ضد الإمبريالية العالمية أيقونةً تلوحُ في الأُفق، كلما علت أصوات محتجة على ما يعدُ خطراً يهدد مستقبل البشرية.
بجانب ذلك ما فتئت الكتب والمؤلفات تصدرُ عن حياة هذا الثائر الأُممي، كما حولت حياته إلى أفلام سينمائية، هذا إضافة إلى ما دونه تشي جيفارا بنفسه عن حياته، ومُشاهداته لكل مراحل الثورة ورحلاته سواء داخل الأرجنتين أو في بلدان أميركا اللاتينية. غير أن هناك أبعاداً أخرى في سيرة بطل سانترا كلارا، لا يمكنُ أن يستوفي حقها في التحليل والشرح إلا واحدُ من أبناء أسرته، وهذه المهمةُ ينهضُ بها خوان مارتن جيفارا الأخ الأصغر لتشي في كتابه الصادر حديثاً بوسمة المركز الثقافي العربي يحمل عنوان «أخي تشي».
إن جيفارا قبل أن يكون بطلاً مُكللاً بالمجد بالنسبة إلى خوان مارتن هو أخ أكبر وُمعلمُ وقدوة، لذلك لا تظهرُ صورته بين دفتي هذا الكتاب مُختزلةً في جانب واحد، بل هناك جيفارا الابن المُدلل لأمه بجوار جيفارا الشاعر والمثقف الذي لا تراه دون وجود كتاب بيده، فهو قرأ «دون كيخوته» ست مرات كما يذكرُ أخوه، وذلك لا يحجبُ صورة العاشق في شخصية جيفارا ولا الشاب الوسيم الذي ترتسمُ ابتسامة أخاذة على وجهه، كما لا يفوتك الوقوف متمليا صورة شخصية مداعبة وميالة للرحلة والاكتشاف، تُنضافُ إلى ذلك صورة الشخص المتطلع لمساعدة المنسيين الذين لا تشملهم رعاية صحية ولا تتوفر لهم فرصة التعليم، ناهيك عما اتصف به تشي، من خصال الأب الحنون، لعلَّ ما يشدُ الانتباه أكثر من بين كل ذلك هو طبيعة العلاقة العميقة بين الثائر وأمه، حيثُ نكتشفُ مدى تأثير الأم على ابنها، مقلب آخر مما يلقي عليه الكتاب الضوء هو ما روج عن صورة القاتل السادي عن جيفارا، طبعاً أدارت الماكينة الإعلامية للدول الامبريالية تلك الحملة الشرسة ضد جيفارا.

الثائر المُثقف
طغت صفة الثائر في شخصية جيفارا على جوانب أخرى من تكوينه الفكري وتركيبته الثقافية، ونادراً ما يشارُ إلى ما كان يعانيه منذ طفولته من مرض (الربو) وأرغمته نوبات المرض أن يلزم السرير، واستغل تلك الأوقات في قراءة الكتب الأدبية بنهم، كما كرس والداه نفسيهما لمساعدته يقرآن له الدروس، وعلمه والده لعبة الشطرنج ولم يلبث كثيراً حتى تفوق ارنستو على مُعلمه في اللعبة وأصبح لاعباً لا يضاهيه أحد من أصحابه.
وأمضت عائلة تشي خمسة عشر عاماً في مدينة آلتا غراسا وقامت بتغيير مكان سكنها عشرات المرات في تلك المنطقة وكان مرض الابن البكر هو الدافع وراء الإقامة في هذه المدينة كونها مكاناً للاستشفاء. يذكرُ أن بعض الأماكن والفنادق التي مرت عليها أسرة جيفارا، أصحبت متحفاً يضم مُقتنيات تعودُ لتشي.
تعهدت الأم برعاية البعد الثقافي في شخصية جيفارا، فعلمته اللغة الفرنسية، ونظراً لانقطاعاته عن المدرسة نتيجة المرض فقد انضافت إلى مهمات الأم مسؤولية تدريسه في البيت إلى حين بلوغه سن التاسعة. من هنا تتخذُ علاقة الابن بامه طابعاً استثنائياً، وعندما كان الأخير يغيب عن البيت لم ينقطع عن مراسلة والدته التي يناديها فيخا.
انحدرت سيليا دي لاسيرنا من أسرة عريقة وثرية وتخرجت من كنيسة القلب المقدس، ويصفُ الأخ الأصغرُ أمه بأنها كانت ذات شخصية واثقة من نفسها وشديدة المراس وعملت مترجمة، إذ نقلت بعض النصوص باللغتين الفرنسية والإنكليزية، ولكن الوالد مع أنه كان محبوباً لدى الجميع وساحراً على حد تعبير خوان مارتن، غير أنَّ ما يؤخذ عليه هو تقلبه وعدم شعوره بالمسؤولية، وفقاً لما يقدمه الأخ الأصغر أن علاقة تشي جيفارا لم تكنْ على ما يرام مع أبيه، لم ترق له رغبة الوالد في استغلال شهرته لاكتساب الامتيازات وإشباع غروره في أوساط مُختلفة، إضافة إلى ذلك فإنَّ الحالةَ الاقتصاديةَ للأسرة لم تكنْ مستقرة أيضاً، كما يقول خوان مارتن «في بيتنا، كان يتوفرُ كل شيءٍ في بعض الأحيان ولا شيء في أحيانٍ أُخرى، وما لا يُحتملُ في بيئة البيت ومستحيلُ بالنسبة لإفراده هو النقص في الكُتب، إذ كانت القراءةُ طقساً لا يمكنُ تجاهله في فضاء هذه الأُسرة».
ومن هنا تنضج الخلفية الثقافية لدى تشي جيفارا الذي تَّحَول إلى آلة للقراءة حسب قول أخيه الأصغر، ولم يدانيه في هذا المضمار غير أخته سيليا. شغف جيفارا بقراءة بورخيس، وفيكتور هوغو، وجاك لندن، واعتبر مؤلفَ كارل ماركس «رأس مال» نصباً تذكارياً للمعرفة الإنسانية، يقولُ غوتييريز فهو من الذين التقى بجيفارا قبل سقوط باتيستا. إن حقيبة الثائر مليئةُ بالكتب ولا يكفُ عن قراءة قصائد فيليبي، وعندما يزور سارتر مع صديقته سيمون دي بوفوار كوبا عقب انتصار الثورة يتفاجأ بثقافة تشي وسعة اطلاعه ويراه ليس ثورياً فحسب بل مثقفا ومتنورا من طراز رفيع.
وأكدَّ تشي على أنَّ الثائرَ لا يجوز أن يكون مجرد مطلقٍ للرصاص، بل يجب أن يمتلك ثقافة عامة. ولم يتوقف عند حدود المعرفية النظرية فحسب، إنما يُحقق ما يؤمنُ به على المستوى العملي حيثُ ساعد بمشروعاته اقتصاد كوبا، وحذر من هشاشة اقتصاد أُحادي الدخل، وعَمِلَ يومياً لمدة أربع عشرة ساعة عندما تولى إدارة وزارة الصناعة الكوبية، وشارك في قطع قصب السكر وهو جزء من برنامج العمل التطوعي الذي أقره بنفسه، وحين يغادرُ كوبا يذكر في الرسالة التي يسلمها لصديقه فيدل كاسترو «لم أترك أي ثروة لأطفالي وزوجتي، ولست آسفا على ذلك» وبذلك قدمَّ تشي جيفارا نموذجاً فريداً للإنسان المخلص مع مبادئه.

الرحلة الأخيرة
حب السفر والترحال كان وجهاً آخر من شخصية تشي، لذا يمكن أن تنطبق عليه مواصفات الرحالة أيضاً، وقد بدأ أولى رحلاته في عام 1950 ولم يتجاوز الحادية والعشرين من عمره. ويجتازُ خلال بضع أشهر 12 إقليماً ومن ثَمَ يعود سليماً معافيً، ولا يطولُ المقامُ حتى يشد رحاله من جديد على دراجة نارية نحو مناطق أخرى، ولا تخلو سلسلة رحلاته الاستكشافية من المخاطر والمُغامرات، وتستمر رحلته الثانية مع صديقه ألبيرتو غراندو ثمانية أشهر.
هكذا كلما ينطلق جيفارا في رحلة تخيم أجواء من القلق والتوتر على البيت وما أن يعودَ حتى تشيع الفرحة وتقام الاحتفالاتُ بظهور تشي. ويأتي موعد رحلته الأخيرة التي يمرُ من خلالها على بلدان أميركا اللاتينية، بوليفيا، وكوستاريكا والسلفادرو، وبيرو، والإكوادور، إلى أن يلتقي بفيدل كاسترو في المكسيك وعقب ذلك يرافق أصدقاءه في رحلة مُضنية صوب جبال سيرا ماستترا، وذلك بعدما يعبرون البحر على متن يخت «غرانما» من ميناء توكسبان المكسيكي نحو الشواطئ الكوبية، ولكن هناك تكون قوات باتيستا لهم بالمرصاد وتبدأُ الطائرات بقصفهم، ولن يبقى من الثوار إلا 12 مقاتلا. وهم يكتبون تاريخاً جديداً ويهزمون جيش باتيستا.
لن تكونَ كوبا محطة أخيرة لتشي جيفارا الذي يقنع صديقه فيدل كاسترو بضرورة وجود حليف لكوبا، ويختارُ بوليفيا لإطلاق شرارة ثورة جديدة، عشية وصوله إلى هذا البلد سافر إلى افريقيا مع 12 رفيقا كوبيا باسم مموه رامون بينتز، وفي غضون هذه الأشهر التي انتقل فيها تشي من بلد إلى آخر يكتبُ في يومياته «لم أَشعر قط بأنني وحيد إلى هذه الدرجة في الدرب الذي أَسْلَكه» وما يعمق آلام تشي هو رحيل إمه بداء السرطان، فالأخيرة ناشدت الابن أن يسمح لها بزيارته في كوبا غير أن الحس الثوري تفوق على العواطف ولم يشأْ جيفارا إرجاء رحلته التي تنتهي به إلى بوليفيا.
ويتوقف خوان مارتن عند تعلق أخيه ببوليفيا بسبب المستخدمة البوليفية سابينا بورتوغال التي تشتغل في بيتهم. يُلقى القبض على تشي جيفارا ليلة السابع من أكتوبر/تشرين الأول في وادي كبيردا ديل يورو، وقام ماريو تيران سالازار بتنفيذ حكم الإعدام بتشي، ويظل مكان دفنه مجهولا إلى أواخر تسعينيات القرن الماضي، حيث يتم الاستعانة بخبراء في الحمض النووي لتشخيص جثة تشي وبهذا تتحقق نبوءته حين قال لأبيه «أنا بنفسي لا أدري في أي أرضٍ سأتركُ عظامي».
وعندما كان مُقيماً في غواتيمالا يراسل والديه قائلاً «بوسعي أن أصبح رجلاً ثرياً لو زاولتُ مهنتي وقمت بفتح عيادة لمعالجة المصابين بالحساسية، ولكن مثل هذا الإجراء ليس إلا خيانة للكائنين اللذين يتصارعان في أعماقي أنا الاشتراكي أنا الرحالة».
يشار هنا أن خوان مارتن لا يَسْتبعدُ تورط الاتحاد السوفييتي في التعاون مع الاستخبارات الأميركية لاغتيال جيفارا، وما يساندُ هذا الاحتمال أكثر أن تشي لم يتورعْ في توجيه انتقادات لاذعة إلى التجربة السوفييتية التي هيمنت عليها البيروقراطية المميتة بل توقع في خطابه في الجزائر انهيار الجمهوريات السوفييتية.
هذا الكتاب ليس مجرد سيرة لجيفارا، بل يؤرخ لمرحلة سادت فيها الانقلابات الدموية والإرهاب والإبادة الجماعية في الأرجنتين وأمضى الأخ الأصغر ثمانية أعوام ونيف في السجون وما يذكره عن غياهب السجن يذكر بمذكرات دوستويفسكي «ذكريات منزل الموتى» ومن بين أكثر القصص تأثيراً قصة الفتاة الثورية فيفيانا التي قضت ثماني سنوات في السجن وألقي بوالديها وهما على قيد الحياة في نهر ريو دي لابلاتا.
من الأفضل إنهاء المقال بوصية تشي جيفارا لأبنائه حيث يقول لهم «كونوا على الدوام قادرين على الإحساس من أعماق وجودكم بكل المظالم المرتكبة ضد أي شخص كان وفي أي مكان كان بالعالم». طبعاً الإنسانية بأسرها تحتاج إلى التمثل لهذه القيم السامية قبل أن تسقط إلى هاوية الأنانية والجشع نهائيا.
....
كاتب من العراق

http://www.baladnews.com/article.php?cat=10&article=96480