facebook   twitter  youtube
الدكتور خالد غازي





أراء وكتاب
أمير تاج السر
د. لنا عبد الرحمن


«باترسون» للأمريكي جيم جارموش: قصيدة حب للأشياء الصغيرة

نسرين سيد أحمد (القدس العربي:) السبت, 25-نوفمبر-2017   01:11 صباحا

شكرا لك ..! لقد تم ارسال المقال بنجاح .
اغلاق

ارسال » «باترسون» للأمريكي جيم جارموش: قصيدة حب للأشياء الصغيرة
اسمك
بريدك الالكتروني
مرسل لبريد الكتروني
نص الرسالة


ارسال مقال ارسل | اضف تعليق|حفظ المقال حفظ|طباعة مقال طباعةاضف للمفضلة اضف المقال للمفضلة

في فيلمه «باترسون» (2016) يقدم لنا المخرج الأمريكي جيم جارموش قصيدة حب للأشياء الصغيرة، للحياة بتفاصيلها البسيطة، لإيقاع الحياة اليومية الذي يتكشف لنا أنه على تكراره ليس رتيبا بالمرة، ولكن يحفل بالاختلافات والبهجة.
الفيلم أيضا احتفاء بالشعر وخلقه وإبداعه، فما أصدق الشعر حين يعبر عن تلك المشاعر الإنسانية الصغيرة التي نختبرها في حياتنا.
بلدة باترسون في ولاية نيوجيرسي هي موطن الشاعر الأمريكي وليام كارلوس وليامز (1883 ـ 1963)، الذي كتب قصيدته الطويلة «باترسون» عن البلدة وأهلها، والذي جعل من تأمل المدينة الصغيرة وحياتها اليومية سبيله لفهم الإنسان والتعبير عنه. تدور أحداث فيلم جارموش أيضا في باترسون في ولاية نيوجيرسي، وهو فيلم يحتفي بالشعر وبالحياة وإيقاعاتها المتنوعة البسيطة.
في بلدة باترسون يعيش باترسون (آدم درايفر)، الشخصية المحورية في الفيلم، وهو سائق حافلة وشاعر يحيا حياة بسيطة صغيرة، ولكنها عامرة بالمشاعر والتفاصيل ثرية في المشاعر على بساطتها. دوما نلمح طيف ابتسامة متأملة على وجه باترسون الذي تتبدى لنا حياته كقصيدة حافلة بالإيقاعات اليومية المتنوعة.
يتقاسم باترسون حياته مع حبيبته لورا (غولشيفته فرحاني)، ذات المواهب الإبداعية المتعددة، التي تزين بيتهما الصغير بإبداعاتها من الستائر والطلاء واللوحات، ويشاركهما الحياة والبيت كلبهما المشاكس اللطيف مارفن. تتمهل الكاميرا على تفاصيل بيت باترسون ولورا، العامر بالحب والفن والإبداع والدفء على بساطته، وفي رحلة باترسون اليومية من البيت إلى الموقف الكبير للحافلات تكاد الكاميرا تعانق مباني باترسون القرميدية وشوارعها الصغيرة ووجوه سكانها.
باترسون شاعر يخط قصائد من القلب في دفتره السري الصغير الذي يقرأ ما يحويه على لورا، ولكنه لا يسعى لنشر ما يكتب أو نسخه. يكتب قصائد يودعها مكنون نفسه ولكنه لا يسعى من ورائها إلى شهرة. يقود باترسون حافلته منتبها للطريق ولكن شعره وقصائده هما رفيقا دربه في رحلة حافلته اليومية عبر باترسون، فهو يطورالقصيدة في ذهنه وهو يقود الحافلة، ليخطها في كراسه وهو يتأمل الشلال المتدفق في باترسون في استراحته للغداء. باترسون يتأمل الحياة اليومية حوله ويصوغها في قصدية، ونحن بدورنا نتأمل حياته ونستمد من تنوعاتها البسيطة الحكمة والبهجات الصغيرة. ربما يمكننا القول إن جارموش هو فيلسوف الحيوات الصغيرة، الذي يجسد في أفلامه شخصيات وأحداثا ذات مغزى إنساني عميق على بساطتها.
يماثل الفيلم في تكوينه ديوان شعر، كل يوم قصيدة من قصائد هذا الديوان، ويبدأ جارموش قصيدة اليوم باسمه مكتوبا على الشاشة، «الاثنين» مثلا، ونرى ذلك التوازي بين أحداث اليوم الذي تنظمإيقاعه أحداث متكررة وبين القصيدة التي ينظمها باترسون والتينرى نصها على الشاشة. ينتظم عقد الفيلم القصيدة في أسبوع من حياةباترسون ولورا.
ويكمن إبداع الفيلم وإبداع جارموش الحقيقيان في اكتشاف أن ما يبدو كأحداث يومية رتيبة متكررة ليست بالرتيبة على الإطلاق، فكل يوم يحمل بهجة صغيرة واكتشافات مثيرة وقد يحمل بعض الشجن أيضا. في طريق باترسون اليومي للعمل تتنوع وجوه بلدة باترسون، ونرى الكثير من التوائم الذين يبدو جارموش مفتونا بتطابقهم المختلف طفيفا، ونرى شاعرة صبية تجاذب باترسون أطراف الحديث، ليكتشف أنا لها أيضا كراسها السري الذي تودعه قصائدها، وتتنوع الوجوه وقصص الركاب في حافلة باترسون. ويمارس باترسون جدوله اليومي الذي يبدو كما لو كان كل يوم فيه بيت في قصيدة تكشف أسرارها وتنوع موسيقاها الداخلية رويدا رويدا، فكل يوم حين يعود باترسون للمنزل، يكتشف تفصيلا جديدا في زينة المنزل، أو في طلائه، قامت بها لورا، وفي الحانة التي يرتادها مساء نرى فصول قصة حبيبين اثنين من رواد الحانة، ونكتشف مشاكسات كلب باترسون الذي يبدو للوهلة الأولى وديعا مستكينا. لقاءات كثيرة مع عابري سبيل، وصدف متعددة وشذرات أحاديث تشكل يوم باترسون وتضفي التنوع على إيقاعه، لقاءات على صغرها لا تمر مرور الكرام ولكنها تشكل وجدان الفيلم ووجداننا.
أحداث الفيلم، الذي كتب له جارموش السيناريو المحكم والحوار البليغ في شاعريته على بساطته، ليست بالأحداث الجسام، ولكن كل تنويع بسيط يضيف إلى حياة باترسون ويضيف إلى المنمنمات الصغيرة التي تشكل الصورة الكبيرة التي هي الحياة. جارموش هو فيلسوف الحيوات الصغيرة، وعلّ ما نراه جليا في الفيلم هو أن الحيوات الصغيرة لا تقل في عمقها وإنسانيتها عن الحيوات التي تحفل بالأحداث الكبار. فربما مثلا تغير محادثة عابرة مع عابر سبيل مسار يوم أو تمنحنا هدية بسيطة من غريب جرعة أمل، وهو ما يحدث لباترسون. «الدفتر الذي لم يُكتب فيه يحمل أكبر قدر من الاحتمالات»، هكذا تقول إحدى شخصيات الفيلم، ونحن بدورنا نقول إن الحياة الصغيرة بتفاصيلها الدقيقة تحمل أكبر قدر من الثراء الإنساني.
يمضي الفيلم كقصيدة، قصيدة هي الحياة بكل تفاصيلها، قصيدة نسمعها وباترسون يتلوها بصوته وهو يؤلف شعره وهو يدونه في دفتره السري الصغير، قصيدة تنسجها لورا أثوابا وفرشا للمنزل وتخبزها كعكا شهيا تزينه بيديها. الحياة والقصيدة هما تلك النغمات والأشياء الصغيرة التي تمنح الحياة معناها. باترسون ولورا لا يبحثان عن مغامرة كبيرة ولا ينتظران سعادات ضخمة، بل يجدان سعادتهما في حبهما لبعضهما بعضا وفي مساندتهما لبعضهما بعضا. يعلمان أن سعادتهما الحقة تكمن في بيتهما الصغير وفي عمل يحبانه، هو في كتابة الشعر وشغفه به، وهي في شغفها بمشاريعها الفنية. الحياة هي الحب والشغف والصدق فيهما.
في «باترسون» يقـــدم جارموش قصيدة مصورة، عذبة الإيقاع والصــــورة، أضفى عليها تصوير فريدريك إلمس الكثير من الشاعرية. يمضي الفيلم كقصيدة تنساب في هدوء يوضح تمكن مخرجه من صنعته وأدواته. ويؤدي درايفر شخصية باترسون بحساسية كبيرة تنقل هذه الــحـــالة من الصــــفاء والسكينة التي تسكن سائق حافلتنا الشاعر، وتضفي فرحاني الكثير من البهجة على شخصية لورا، التي تملأ البيت والحياة دفئا، والتي نعلم أن باترسون يذوب فيها عشقا وأنها تحبه بصدق كبير.

   

التعليقات






شكرا لك ..! سوف يتم عرض التعليق بعد التدقيق .



   

الفيلم الكوري الجنوبي «وحيدا على الشاطئ ليلاً» الفيلم الكوري الجنوبي «وحيدا على الشاطئ ليلاً»

للمخرج الكوري الجنوبي سانغ ـ سو هونغ ثلاثة أفلام شاركت في مهرجانات عالمية العام الماضي وبعدها بدأت بالخروج إلى الصالات، الأفلام هي «كاميرا كلاير» في التفاصيل

"الحياة المزدوجة لفيرونيكا" كيشلوفسكي و ثنائية الحياة والذاكرة

في عمله السينمائي الرائع "الحياة المزدوجة لفيرونيكا"، إنتاج سنة 1991، يتألق كيشلوفسكي كما تألق في ثلاثية الألوان "أحمر، أبيض،أزرق"؛ ليقدم في هذا  التفاصيل

احتفال بعصر السينما والكومبارس هو البطل احتفال بعصر السينما والكومبارس هو البطل

يمكن اعتبار الفيلم التسجيلي المصري الطويل “عندي صورة: الفيلم رقم 1001 في حياة أقدم وأشهر كومبارس في مصر” لمحمد زيدان فيلما تجريبيا بكل معنى الكلمة. التفاصيل

فيلم «اصطياد الأشباح» للفلسطيني رائد أنضوني فيلم «اصطياد الأشباح» للفلسطيني رائد أنضوني

«مطلوب سجناء سابقين يمتلكون خبرات في الهندسة المعمارية، أو المقاولات العامة أو التمثيل». مجرد إعلان صغير في جريدة، بدون إخفاء دهشة المفارقة ما بين التفاصيل

الفيلم السوري “طريق النحل” السينما بوصفها كذبة الفيلم السوري “طريق النحل” السينما بوصفها كذبة

تريد المؤسسة العامة للسينما في سوريا أن تقول، بواسطة إنتاجها للأفلام في هذه المرحلة الصعبة، تريد أن تقول إن سوريا صامدة، سوريا بوصفها النظام السياسي التفاصيل

فيلم «سبوربيكون» إخراج جورج كلوني: جرائم قتل بالجملة فيلم «سبوربيكون» إخراج جورج كلوني: جرائم قتل بالجملة

جورج كلوني أقل سوءاً كمخرج منه كممثل، حتى في أدواره التي كانت في أفلام للأخوين كوهين (جويل وإيثان كوهين)، لكن لا يعني ذلك أنّ الفيلم الذي يأتي اسمه التفاصيل

السينما المصرية كيف توقعت الأحداث؟ السينما المصرية كيف توقعت الأحداث؟

لاشك في أن السينما لا تزال تعتبر واحدة من أكثر الوسائل تأثيراً في المتلقي. فالفيلم السينمائي إذا ما كان جيداً وصادقاً في تناوله للموضوع يكون تأثيره التفاصيل




كُتّاب يحملون جنسيات غير عربية..  لكنهم اختاروا لغة الضاد كُتّاب يحملون جنسيات غير عربية.. لكنهم
تضم جامعة الدول العربية (1945) في عضويتها 22 دولة، منها 12 في قارة آسيا و10 في قارة إفريقيا، ويأتي أغلب الأدب...
الفيلم الكوري الجنوبي «وحيدا على الشاطئ ليلاً» الفيلم الكوري الجنوبي «وحيدا على الشاطئ
للمخرج الكوري الجنوبي سانغ ـ سو هونغ ثلاثة أفلام شاركت في مهرجانات عالمية العام الماضي وبعدها بدأت بالخروج...
السرقة والاستعارة السرقة والاستعارة
مؤخرا أشار الكاتب التونسي كمال الرياحي على صفحته الشخصية في فيسبوك، إلى كاتب أكاديمي نقل مقالا له منشورا على...
إدوار الخراط كرس رواياته لقضية المواطنة إدوار الخراط كرس رواياته لقضية المواطنة
من الروائيين الذين اهتموا بقضايا المواطنة وطرحوها مرارا في أعمالهم الكاتب المصري الراحل إدوار الخراط، مما حدا...
الحروفية المتنوعة في أعمال الكويتي جاسم المعراج الحروفية المتنوعة في أعمال الكويتي جاسم
يركب الخطاط جاسم المعراج مجموعة من الحروف والخطوط المختلفة في نسق متكامل برمزية وإيحاء، ليقدم بلاغة خطية...

هل تتوقع ان تستجيب قطر لمطالب الدول المقاطعة لها؟

نعم
لا
ربما






جريدة صوت البلد

© جميع الحقوق محفوظة لموقع جريدة صوت البلد 2018