facebook   twitter  youtube
الدكتور خالد غازي





أراء وكتاب
أمير تاج السر
د. لنا عبد الرحمن


نسخة مرممة من «ستوكر» للسوفييتي تاركوفسكي

سليم البيك (القدس العربي :) الأربعاء, 23-اغسطس-2017   03:08 صباحا

شكرا لك ..! لقد تم ارسال المقال بنجاح .
اغلاق

ارسال » نسخة مرممة من «ستوكر» للسوفييتي تاركوفسكي
اسمك
بريدك الالكتروني
مرسل لبريد الكتروني
نص الرسالة


ارسال مقال ارسل | اضف تعليق|حفظ المقال حفظ|طباعة مقال طباعةاضف للمفضلة اضف المقال للمفضلة

 قد يكون هذا الفيلم هو المتسبّب بالموت المبكّر لأندريه تاركوفسكي، فقد كان من المفترض أن يتم تصويره في طاجيكستان، لكنّ زلزالاً حال دون ذلك، فانتقل فريق الفيلم إلى إستونيا، وكان موقع التصوير مجــاوراً لمصنع كيميائيات، ما رجّـــــح أنه السبب في موت المخرج السوفييتي بعدها بسبع ســـنوات بمــــرض سرطان الرئة، عن 54 عاماً، بعد سبعة أفلام روائية طويلة هي اليوم من بين أجمل ما أخرجته السينما إلى العالم.
«ستوكر» (أو «المتعقّب» أو «ستالكر») هو من الأفلام الخمسة التي تم ترميمها مؤخراً وبدأت عروضها في الصالات الفرنسية، وهو الفيلم الروائي الخامس لتاركوفسكي، وقد أخرجه عام 1979، ثم استطاع أن يخرج بعده فيلمين هما «نوستالجيا» و«ساكريفيس» إضافة إلى وثائقي شارك في كتابته وإخراجه وبطولته هو «رحلة في الزمن» يحكي فيه تاركوفسكي عن رؤيته الفلسفية والشعرية للسينما، كما يفعل في كتابه «النحت في الزمن».
هذا هو الفيلم السوفييتي الأخير لتاركوفسكي، من حيث الإنتاج ومواقع التصوير، فالفيلمان التاليان كانا مزامنان لسنوات المنفى التي عاشها في إيطاليا، قبل أن يموت في باريس حيث كان يتعالج من مرضه.
الفيلم مقسّم إلى عالمين، منقسمين فنياً وفلسفياً، الأول هو الذي يبدأ وينتهي به الفيلم، مصوّر بالأبيض والأسود بإضاءة ساطعة في مناطق من الصورة تحديداً، وعتمة قاتمة في مناطق أخرى. يبدأ في بيت الشخصية الرئيسية وهو المتعقّب، ويستمر إلى أن يصل مع اثنين آخرين إلى مكان اسمه ببساطة «المنطقة»، ثم في نهاية الفيلم حين يعودون من «المنطقة» يرجع الفيلم ليكون أبيض وأسود. أما معظم زمن الفيلم، فكان ملوّناً، طاغيا عليه اللون الأخضر، وكان في «المنطقة» وسراديبها وغرفتها.
أما الحكاية فهي كالتالي: رجلان عاديان، بل يبدوان تافهين، يُنادى أحدهما بالكاتب والآخر بالبروفيسور، يلتقيان المتعقّب كي يوصلهما إلى «المنطقة»، وهي مكان المتعقّبون فقط من يستطيع الوصول إليه. المتعقّب هو رجل أحمق، ساذج، قلق، خائف، مأساوي، وسخ، غير متحكّم بمن/بما حوله، شخصية دستويفسكيّة بامتياز، أما الآخران فهما انتهازيان غير معنيين بمشاعر أحد، يرغب أحدهما للوصول إلى الغرفة للتخلص من عقدة الرايترز بلوك التي تمنعه من الكتابة. والثاني لتحقيق رغبته في القيام بإنجاز علمي. يشكو المتعقّب لزوجته أخيراً بأنّهما لا يؤمنان في شيء.
لا أسماء هنا، الثلاثة معروفون بمهنهم، ومحو الأسماء هو جزء من مهو الفردية والهوية الشخصية لكل واحد في المجتمع القمعي والعسكري والصّناعي الذي خرج منه الثلاثة للدخول إلى «المنطقة».
وهذه «المنطقة» هي عالم آخر، قد تؤدي محاولة دخوله إلى الموت بالرصاص من قبل الحرّاس التابعين للدولة الذي يطلقون النار على كل من يحاول الاقتراب من حدودها.
شيء ما يجعل الدولة حريصة على منع السكّان من دخولها، وهي منطقة ملوّثة بشكل مريع، كأنّ كارثة حلّت بها، دمار وتسرب كيميائي وهجران لسنوات طويلة، ما جعلها تبدو عالماً أبوكالبتياً، قيامياً، غير مأهول، تبدو عليه آثار الآدميين المدمِّرة، حتى من خلال التلويثات الفردية كقطع معدنية مرمية هنا أو هناك. لكن هذا هو الشكل، الصورة التي أتت عليه المنطقة، أما ما يجعل الدولة القمعية تمنع الناس من دخولها فهو قدر الغرفة القابعة في عمق «المنطقة» على تحقيق الرغبات الآدمية الفردية.
إذن في عمق هذه «المنطقة» هنالك «الغرفة»، وهي الغاية التي أراد الرجلان الوصول إليها، وهي المكان الذي يمكن فيه أن تتحقق الآمال والرغبات المقموعة لأحدنا، فهي نهاية المشوار ومقصده. يصل الثلاثة ويبقون فيها لفترة، لا يقتنع الرجلان بأن هذه هي الغرفة التي يمكن أن تحقق لهم رغباتهم، يتحدّثون إلى أن يخبرهما المتعقّب بأنّ عليهم العودة قبل حلول المساء.
الفيلم المأخوذ عن رواية للأخوين ستروغاتسكي، وقد كتبا السيناريو كذلك، هو خيال علمي بالمعنى العام، لكنّه أساساً فيلم ديستوبيا، حيث عالم الخراب المثالي، هو كذلك فيلم فنّي شاعري، وهو فلسفي سياسي، فإسقاطات تاريخية يمكن أن تُجرى عليه، منها دمار مفاعل تشيرنوبل في أوكرانيا (حصلت بعد إنتاج الفيلم بسبع سنين) وتأثيراته على الناس، ومنها أساساً رحلة الانتقال من القمع الذي تمارسه الدولة إلى الحرية حيث الطبيعة، وحيث الغرفة التي نحقق فيها أقصى رغباتنا، والتي تحاول الدول قتل المحاولين للوصول إليها، لذلك ربّما كانت للفيلم مشاكل جوهريّة مع الرقابة السوفييتية.
في الفيلم البطيء والطويل، حيث لا قيمة فعلية للزمن، لكل لقطة جمالياتها البصرية. اشتغل تاركوفسكي على الشّكل هنا كما اشتغل على المعنى. في القسم المصوّر بالأبيض والأسود، كان التباين بين اللونين شديداً، بين الإضاءة والعتمة. أما في القسم الآخر، «المنطقة»، فقط صُوّرت بالألوان، وكان الأخضر الطبيعي طاغياً. حتى في اللقطات الداخلية، ألوان الطبيعة هي الغالبة، فإضافة إلى الأخضر هنالك ألوان التراب والحجارة والمعادن.
حساسية الصورة رافقتها حساسية الصّوت، أصوات التفاصل كانت حاضرة كما تصويرها، أصوات الطبيعة والمياه وحركات الرجال الثلاثة. الصوت هنا هو جزء من الحكاية، كما الصّور، المَشاهد الطويلة والصامتة كانت كذلك جزءاً من الحكاية، حكاية التنقّل بين عالم قاتم محكوم بالقمع وعالم حرّ ملوّن إنّما مُدمّر، صار ديستوبيا، دمّرته الدّولة التي ما تزال تحكم بالقمع في العالم الآخر.
للفيلم (Stalker) ذاته تاريخ كارثي، فقد تمّ تصوير الفيلم مرّة ثانية بعدما تلف تماماً، وقبله خضع للكثير من إعادة الكتابة، ليخرج لنا أخيراً، بنسخته التي جعلته أحد أفضل الأفلام في تاريخ السينما (رقم 29 في لائحة «سايت آند ساوند» لأفضل 100 فيلم) ومرجعاً أساسياً للأفلام التي تصوّر الحياة الأبوكالبتيّة، حيوات ما بعد الدّمار.

   

التعليقات






شكرا لك ..! سوف يتم عرض التعليق بعد التدقيق .



   

افتتاح بسيط لجمهور استثنائي وبرمجة لافتة للألفية الثالثة افتتاح بسيط لجمهور استثنائي وبرمجة لافتة للألفية الثالثة

شهد عدد كبير من محبي السينما في تونس السبت المنقضي، افتتاح الدورة الثامنة والعشرين لـ «أيام قرطاج السينمائية» بإدارة المنتج نجيب عياد. وتزامن هذا التفاصيل

«فيلم طويل عن الحياة» يرصد رحلة خيري بشارة مع السينما والحياة «فيلم طويل عن الحياة» يرصد رحلة خيري بشارة مع السينما والحياة

يلخص كتاب «فيلم طويل عن الحياة» مشوار ورحلة إبداع المخرج خيري بشارة. المهرجان القومي للسينما المصرية في دورته الحادية والعشرين، التي حملت شعار التفاصيل

الموت ينتظر الفقراء في «البر التاني» صورة قاتمة لسينما واقعية الموت ينتظر الفقراء في «البر التاني» صورة قاتمة لسينما واقعية

في عرضة الأول في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي لم يحظ فيلم «البر التاني» للمخرج على إدريس بالجائزة التي كانت متوقعة له، حيث ذهب امتياز الفوز لفيلم التفاصيل

أسطورة «جيمس بوند» ورفاقه: على شاشة السينما أسطورة «جيمس بوند» ورفاقه: على شاشة السينما

ركز الأدب والسينما العالميان بشكل خاص على المخابرات البريطانية وقدماها كمؤسسة خارقة القوى. وكان مشاهير المؤلفين لهذا الأدب أنفسهم موظفين سابقين في التفاصيل

السينما المصرية في مواجهه سياسية خارج العاصمة السينما المصرية في مواجهه سياسية خارج العاصمة

عادت المهرجانات السينمائية سيرتها الأولى، فلم يمر سوى أسابيع فقط على انعقاد مهرجاني شرم الشيخ والإسكندرية، حتى أقيم مهرجان سينمائي ثالث هو أحد التفاصيل

أيام قرطاج السينمائية دورة العودة إلى أفلام الجنوب وبلدانه أيام قرطاج السينمائية دورة العودة إلى أفلام الجنوب وبلدانه

أيام قليلة تفصل عشاق الفن السابع في تونس عن انطلاق مهرجان “أيام قرطاج السينمائية “، في دورته الـ28، التي ترفع شعار “العودة لسينما الجنوب”، كما صرح التفاصيل

«موضوع الرغبة الغامض» للإسباني بانويل «موضوع الرغبة الغامض» للإسباني بانويل

هو آخر أفلام الإسباني لويس بانويل، وقد تخفف فيه من السريالية التي عُرف بها، منذ فيلمه الأول، أحد أشهرها وأقصرها «كلب أندلسي»، 1929. ضمن سيرة فيلمية التفاصيل




كائنات لنا عبد الرحمن في «صندوق كرتوني يشبه الحياة» كائنات لنا عبد الرحمن في «صندوق كرتوني
على رغم أن شخصيات قصص الكاتبة اللبنانية لنا عبدالرحمن في مجموعتها «صندوق كرتوني يشبه الحياة» (الهيئة المصرية...
شعبان يوسف : كتاب كثيرون دهستهم عجلات التهميش والنسيان شعبان يوسف : كتاب كثيرون دهستهم عجلات
كأننا نكأنا جرحا غائرا حينما سألنا الشاعر والناقد شعبان يوسف عن سبب تأخر ديوانه الأول في الصدور لخمسة عشر...
الاستشراق تزوير .. الأصول الثقافية في الشرق الاستشراق تزوير .. الأصول الثقافية في
قال كافافيس شاعر الإسكندرية: عندما تشرع عائداً الى ايثاكي لا تتعجل ... تمنَّ أن تكون الرحلة طويلة...
أسعد عرابي في معرض بيروتي أسعد عرابي في معرض بيروتي
انطلق معرضٌ استعاديٌّ للرسام والناقد أسعد عرابي بعنوان «إطفاء الجمر في الصقيع» (غاليري أيّام - بيروت)، على أن...
«النشوة المادية» كتاب لوكليزيو في ترجمة عربية «النشوة المادية» كتاب لوكليزيو في ترجمة
ترجمة عربية لكتاب «النشوة المادية» للكاتب الفرنسي جان ماري غوستاف لوكليزيو الفائز بجائزة نوبل في الآداب عام...

هل تتوقع ان تستجيب قطر لمطالب الدول المقاطعة لها؟

نعم
لا
ربما






جريدة صوت البلد

© جميع الحقوق محفوظة لموقع جريدة صوت البلد 2017