facebook   twitter  youtube
الدكتور خالد غازي





أراء وكتاب
أمير تاج السر
د. لنا عبد الرحمن


«بلا حبّ» جائزة إضافية لسينما تصوّر الواقع المهترئ

ابراهيم العريس () السبت, 01-يوليو-2017   03:07 صباحا

شكرا لك ..! لقد تم ارسال المقال بنجاح .
اغلاق

ارسال » «بلا حبّ» جائزة إضافية لسينما تصوّر الواقع المهترئ
اسمك
بريدك الالكتروني
مرسل لبريد الكتروني
نص الرسالة


ارسال مقال ارسل | اضف تعليق|حفظ المقال حفظ|طباعة مقال طباعةاضف للمفضلة اضف المقال للمفضلة

في أحاديثه الصحافية يردّد المخرج الروسي آندريه زفياغنتسيف أن العيش في روسيا اليوم يجعل المرء يشعر أنه يعيش في حقل ألغام. والحقيقة أن من يتابع سينما هذا السينمائي الشاب (ثلاثة وخمسون سنة هذا العام)، ومنذ ظهوره المدوي بفيلمه الروائي الطويل الأول «العودة» عام 2003، سيصل إلى هذه النتيجة نفسها حتى من دون أن يكون قد قرأ أي تصريح للمخرج. فمن دون استثناء تبدو أفلام زفياغنتسيف حاملة سؤالاً حارقاً عما وصلت إليه الحياة في بلاده بعد ما لا يقل عن ربع قرن من وعد السعادة والرفاه الذي أتت به تلك التغيرات الكبرى التي قضت على البيروقراطية والظلم والظلامية وحكم الحزب الواحد وما إلى ذلك. سؤال زفياغنتسيف بسيط: أين ذهبت تلك السعادة الموعودة كلها؟ من الذي دمّر المجتمع الروسي؟ من الذي أثبط الفرد الروسي؟
 
الجواب «الغائب»
في الحقيقة لن يكون من المنطقي مطالبة صاحب نصف دزينة من أفلام جالت على دزينات من المهرجانات وحصدت دزينات من الجوائز، بأن يعطينا أي جواب قاطع على تلك الأسئلة التي تصب جميعاً في سؤال واحد. فهل أجابت مثلاً عشرات النصوص التي كتبها أنطون تشيخوف ذات يوم حول أسئلة خيبة أخرى طرحها الإنسان الروسي على نفسه نهايات القرن التاسع عشر وبدايات تاليه القرن العشرين؟ على الإطلاق... لكنها وكما يفعل اليوم هذا «التشيخوفيّ» المعاصر، طرحت الأسئلة. والأسئلة اليوم قاسية جداً بالتأكيد، لا سيما حين تنطرح في لغة سينمائية شديدة الراهنية والقوة. سينما بدت كبيرة منذ اللقطات الأولى لأول أفلامه. فهنا في «الملحق» نذكر أننا فيما كنا ننتظر وصول مقال عن مهرجان البندقية في صيف عام 2003 من موفدنا إلى ذلك المهرجان، أن الموفد اتصل بنا ملحّاً أن ننتظر ساعة أخرى لينتهي عرض فيلم روسي مفاجئ تأخر عرضه عن موعد إغلاق الملحق، لكن بال الموفد لن يهدأ إلا إذا كتب عنه على الفور. كان للموفد ما أراد، استجابة لحماسته... ولكن سرعان ما تبيّن أنه أكثر من محق. ليس فقط لأن الفيلم وعنوانه «العودة»، كان من تحقيق سينمائي روسي شاب لم يكن قد سمع به أحد، نال يومها جائزة الأسد الذهبي، في البندقية، بل لأن كل أفلام زفياغنتسيف التالية، بررت حماسة المندوب. لقد ولد يومها سينمائي كبير. ولكن ولدت أيضاً سينما تطرح أسئلة مجتمع ما- بعد- الحداثة الروسية.
منذ ذلك الحين، وعاماً بعد عام، كما كانت حال تشيخوف قبل قرن ونيّف، لا يتوقف صاحب «العودة» عن رصد مجتمع بلاده. لا يتوقف، وفي شكل يفوق تشيخوف في عنفه وتوجيهه أصابع الاتهام لكل ما ومن يصنع راهن المجتمع الروسي، عن محاسبة الواقع الراهن مصوراً شتى جوانبه ومآسيه في سينما لعل أقل ما توصف به أنها «سينما كئيبة». لكنها كئيبة لأن الروس اليوم باتوا بالضرورة شعباً تستبد به الكآبة. وهو الأمر الذي يؤكده زفياغنتسيف في فيلمه الأجدّ «بلا حبّ» الذي، منذ عرضه في الدورة الأخيرة لمهرجان «كان» قبل أسابيع، كان المنافس الرئيسي على السعفة الذهبية ليكتفي في النهاية بجائزة المحكمين الخاصة.
 
القراءة من العنوان
ومن الواضح أن عنوان الفيلم نفسه يمكن أن يشكل برنامجاً بأسره، بل يمكن أن يكون عنوان سينما زفياغنتسيف كلها. فهذه السينما تأتي لتقول لنا إنه إذا كانت السعادة غائبة،- حتى ولو بصورتها الستالينية المزيفة-، عن الواقع الروسي اليوم، فما هذا إلا لأن الحب نفسه بات من الذكريات البعيدة. ففي أفلام زفياغنتسيف ليس ثمة مكان لأي حب أو حكايات غرامية. هناك علاقات بالتأكيد وهناك ارتباطات... وربما هناك خصوصاً، علاقات سابقة. لكنها اختفت الآن وحل مكانها واقع مرير إن لم نقل واقع كراهية يتساءل الناس دائماً كيف تسرّب إلى حياتهم. فمن الزوج/ الأب العائد من اللامكان ليستعيد حياته الزوجية والأبوية التي ستبدو استعادتها مستحيلة في «العودة» بل ستبدو قاتلة في النهاية، إلى الزوجين اللذين يعيشان حالة انفصال في «بلا حب» تدفع ابنهما الطفل إلى ذلك الاختفاء المريع الذي يشكل موضوع الفيلم الأخير، مروراً بفيلم «العقاب» (2007) حيث يعاقب الزوج زوجته دافعاً إياها إلى الانتحار إذ تخبره أنها حامل من جديد فيعتقد هو بناء على حسابات مغلوطة وملحوظة من أخيه أن الحمل ليس منه، وما يحدث في فيلم «إيلينا» (2001) بين تلك المرأة الممرضة التي تزوجت ثرياً كانت تعرفت إليه قبل عشر سنوات في المستشفى، لكنها الآن تقتله لأنه يرفض أن يكتب أي إرث لابنها من زوجها الأول ما يجعلها ترث نصف ثروته، ومروراً أخيراً خصوصاً بفيلم «ليفياتان» الذي كان إحدى التحف الأساسية في دورة عام 2014 لمهرجان كان السينمائي ولسوف يفوز لاحقاً بعشرات الجوائز ومن بينها جائزة أفضل فيلم أجنبي في جوائز الغولدن غلوب، كما في بريطانيا... في هذا الفيلم صوّر زفياغنتسيف الدولة تحت ملامح ذلك التنين الهائل الذي تحدث عنه الفيلسوف الإنكليزي هوبس في كتابه الكلاسيكي، تلك الدولة التي اتخذت في الفيلم شكل آلة تدمير ضخمة تبدأ في اللقطات الأخيرة من الفيلم نسف المنزل الذي كان بطل الفيلم يسعى إلى إنقاذه من براثن التنين. لقد قال الفيلم إن ذلك الإنقاذ بات مستحيلاً. ففي روسيا اليوم، كما في غيرها ليس ثمة نهايات سعيدة. تماماً كما أن الحب لم يعد له مكان. ففي «العودة» ينتهي الأمر بقتل الولدين أباهما في محاولة منهما لإنقاذ الأم من براثنه... البراثن التي قد لا تكون أكثر من وجوده في حياتها بعد أن سوّت أمورها لتعيش من دونه. وفي «إيلينا»، لن تحصل هذه على ما تعتبره حقها من ثروة زوجها الجديد إلا بإزاحته أي بقتله. وفي «العقاب» لن يحصل الزوج الذي خُيّل إليه أنه قد خُدع على راحة باله، إلا بدفع زوجته إلى الانتحار والانتقام من صديقه الذي خيّل إليه أنه أقام علاقة مع زوجته أدت إلى حملها. وفي «ليفياتان» ليس ثمة أي أمل إلا في اللجوء إلى الخيال على شاطئ بحر كان المطلوب الحفاظ على البيت المجاور له والذي راح ضحية للمضاربات العقارية...
والحقيقة أن هذا التشاؤم الذي يعود دائماً وإن بأشكال تتفاوت في درجة سوداويتها في سينما زفياغنتسيف، هو الموضوع الأساس لفيلم «بلا حبّ». إذ هل يمكننا أن نجد صورة أكثر سواداً في السينما المعاصرة من صورة طفل يدرك أن أبويه على وشك أن ينفصلا لأن استحالة مواصلة العيش بينهما تضعهما على مفترق طريق، لكنهما في الوقت نفسه لا يعبآ بمصير الطفل ولا يتناقشا حتى بأي شيء يتعلق به، وكأن كل واحد منهما إذ خطط لنفسه نمطاً مختلفاً من الحياة مع شريك جديد، يعرف تماماً أن لا مكان لهذا الطفل في نمط حياته الجديد هذا.
في الحقيقة أن آندريه زفياغنتسيف أوصل الكآبة، الواقعية في روسيا اليوم على أية حال، إلى مستويات من الصعب على أي عمل فني آخر أن يصل إليها، ومن هنا يمكن النظر الى فيلميه الأخيرين، «بلا حبّ» ومن قبله «ليفياتان» على انهما الصورة الأقسى والأعنف التي تصلنا من ذلك الداخل الروسي الذي، حين انتفض إنسانه قبل ربع قرن للوصول إلى التغيير، لم يكن ليتصور أبداً أن التغيير سوف يقوده هنا إلى عالم يسيطر التنين عليه ليجعل الجريمة وحدها مفتاح السعادة فيه، ويكتشف أنه بات في مجتمع لا حبّ فيه ولا حنان!

   

التعليقات






شكرا لك ..! سوف يتم عرض التعليق بعد التدقيق .



   

" آني هول ".. الحب والسخرية من الذات في عالم وودي ألن

في عيد ميلاد المخرج والسيناريست والممثل الأمريكي وودي ألن الثاني والثمانين (الأول من ديسمبر/كانون الأول 1935)، لم نجد خيرا من تحفته السينمائية «آني التفاصيل

"رجل نزيه" للإيراني محمد رسولوف:: حين يأكل القوي حقَّ الضعيف

لمحمد رسولوف بدايات جيّدة في السينما، من فيلمه الأوّل «غاغومان» الذي نال جائز أفضل فيلم أوّل في مهرجان فجر السينمائي في طهران عام 2002، لاحقا، شارك التفاصيل

صورة الدراما بين زمنين صورة الدراما بين زمنين

ماذا لو شاهدنا اليوم أعمالاً درامية عربية تعود إلى زمن البدايات الأولى؟ لا نعني بالسؤال تلك الأعمال التي ظلت حاضرة بيننا وتستعاد على شاشاتنا الصغيرة التفاصيل

" فورتوناتا " .. الإيطالية في تنازعها المضطرب!

"فورتوناتا" في الإيطالية تعني «المحظوظة»، غير أن كل ما في حياة فورتوناتا كما يصورها المخرج سيرجيو كاستيليتو يقول العكس؛ لم تجنِ من زواجها الأول سوى التفاصيل

الشعرية البصرية في فيلم «المرآة» لأندريه تاركوفسكي الشعرية البصرية في فيلم «المرآة» لأندريه تاركوفسكي

هو أكثر الأفلام ذاتية وأوتوبيوغرافية، حيث يروي تاركوفسكي فيه سيرته، وأكثرها شاعرية وتجريبية وأقلها حكائية، وأكثرها عصيا على الفهم، وبالتالي أكثرها التفاصيل

«الفنان الكارثي» للأمريكي جيمس فرانكو: مغامرة سينمائية «الفنان الكارثي» للأمريكي جيمس فرانكو: مغامرة سينمائية

خاض الفنان الأمريكي «جيمس فرانكو» مغامرة سينمائية جديدة، من خلال إخراجه لفيلم «الفنان الكارثي»، الذي يمثــــل تجربــــة إخراجية تنضاف إلى سلسلة التفاصيل

مأساة الحرب دون مشهد واحد لطائرة أو دبابة أو مجرد جندي مأساة الحرب دون مشهد واحد لطائرة أو دبابة أو مجرد جندي

يملك فيلم “إنسرياتد” أو “في سوريا” المشارك في بمهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته التاسعة والثلاثين التي اختتمت مساء الخميس، أسبابا عدة للدهشة التفاصيل




مفرقعات إعلامية عربية تدفع المواطن إلى كتم الصوت مفرقعات إعلامية عربية تدفع المواطن إلى
يصعب تحديد التاريخ الذي انفجر فيه اللغم في وجه صانعيه. كما يستعصي وضع معايير واضحة لهوية محتويات اللغم...
رواية «نيزك في جالفايش» البرتغالية في ترجمة عربية رواية «نيزك في جالفايش» البرتغالية في
«نيزك في جالفايش» رواية للكاتب البرتغالي جوزيه لويس بايشوتو صدرت في ترجمة عربية عن «العربي للنشر والتوزيع»-...
رواية سوريالية عن كاتب يريد السيطرة على العالم رواية سوريالية عن كاتب يريد السيطرة على
تصف الصحافيّة إلينا جيرادون الكاتب الأرجنتيني سيزار آيرا بأنه يقسّم نهاره للقراءة كما يقسّم الوجبات، ففي...
" آني هول ".. الحب والسخرية من الذات في
في عيد ميلاد المخرج والسيناريست والممثل الأمريكي وودي ألن الثاني والثمانين (الأول من ديسمبر/كانون الأول...
اللحظات التاريخية الفارقة وتشكلات الحداثة الشعرية اللحظات التاريخية الفارقة وتشكلات
أطاحت نتائج الحرب العالمية الأولى بخريطة العالم، وأتت بمتغيرات شاملة عصفت بكل أوروبا. كان الوطن العربي آنذاك...

هل تتوقع ان تستجيب قطر لمطالب الدول المقاطعة لها؟

نعم
لا
ربما






جريدة صوت البلد

© جميع الحقوق محفوظة لموقع جريدة صوت البلد 2017