facebook   twitter  youtube
الدكتور خالد غازي





أراء وكتاب
أمير تاج السر
د. لنا عبد الرحمن


بئر مسعود وسيدي بشر.. تفسيرات شعبية سكندرية

أحمد فضل شبلول (ميدل ايست أونلاين:) الأربعاء, 26-اكتوبر-2016   03:10 صباحا

شكرا لك ..! لقد تم ارسال المقال بنجاح .
اغلاق

ارسال » بئر مسعود وسيدي بشر.. تفسيرات شعبية سكندرية
اسمك
بريدك الالكتروني
مرسل لبريد الكتروني
نص الرسالة


ارسال مقال ارسل | اضف تعليق|حفظ المقال حفظ|طباعة مقال طباعةاضف للمفضلة اضف المقال للمفضلة

الصيف يلملم الآن أوراقه ويرحل، ينسحب مهزوما أمام الخريف الذي أحبه كثيرا، أكثر من الربيع والشتاء والصيف. عندما يبدأ الخريف في الإسكندرية يتناقص عدد المصيفين ويقل الازدحام في المدينة وخاصة في سيدي بشر وميامي، وفي الغالب يرحل آخر مصيف مع بداية العام الدراسي الجديد، فمعظم المصيفين في الإسكندرية الآن إما مدرسون أو أولياء أمور.
في مثل هذا الجو بعد رحيل المصيفين يحلو لي أن أجلس على حافة بئر مسعود، أتأمل مياه البحر تجري في عمقه قادمة من البحر إلى البئر، عائدة إليه.
البئر عبارة عن فجوة داخل كتلة من الصخر، عمقها نحو 5 أمتار، وعرضها نحو متر، تربط قناة (مجراة) بين سطحها وبين ماء البحر.
وهناك أكثر من تفسير شعبي لتسميته بهذا الاسم "بير مسعود"، منها أن رجلا من الصعيد اسمه مسعود هرب من ثأر واختبأ في البئر إلى أن مات وأخذته حوريات البحر. البعض قال إن هذا البئر سمي باسم رجل صالح من تلامذة القطب الصوفي سيدي بشر الذي لا يبتعد مسجده كثيرا عن البئر.
قال آخرون إن مسعودا كان تاجرا للمخدرات هرب من الشرطة واختبأ في البئر، وظل رجال الشرطة يبحثون عنه إلى أن وجدوه حيا في البئر، لما رفض الخروج منه، أردوه قتيلا، ثم لم يجدوا جثته بعد ذلك.
ذهب البعض إلى أن هذا البئر كان مقبرة يونانية، دفن فيها بعض اليونانيين في عصر البطالسة، حيث كانت المقابر وقتها تقع على البحر.
بينما يعتقد البعض أن مسعودا هو العبد الأفريقي الأسود الذي هرب من نخّاسه وظهر زمن خلافة الحاكم بأمر الله (985 – 1021 م)، وكان يمتلك جسدا فارعا وآلة جنسية ضخمة، استطاع الحاكم بأمر الله أن يوظفها ضد التجار الجشعين وأصحاب المحلات الذين يغشون في المعيشة، ويرفعون الأسعار أو يخبئون البضائع ليفتعلوا الأزمات، فيسلط الحاكم بأمر الله مسعودا عليهم ليأتيهم من الخلف أمام أعين الناس والتجار الذين يشاهدون وينظرون حتى يفرغ مسعود بعد وقت قد يقصر أو يطول، مما قلّل من جشع التجار، خوفا من الفضيحة والعار، فاعتدلت الأسعار، وتوافرت البضائع في الأسواق.
قال ابن كثير في "البداية والنهاية" عن أفعال الحاكم بأمر الله: "ومن أفعاله (أنه كان يعمل الحسبة بنفسه، فكان يدور بنفسه في الأسواق على حمار له – وكان لا يركب إلا حمارًا -، فمن وجده قد غشَّ في معيشة، أمر عبدًا أسود معه يقال له مسعود، أن يفعل به الفاحشة العظمى".)
وذكر ابن إياس في "بدائع الزهور في وقائع الدهور" أبياتا من الشعر الركيك قيلت في مسعود على سبيل المزاح والدعابة، فقال أحد الشعراء:
إن لمسعود آلةً عظُمت ** كأنها في صفات طومارِ
تشقّ أدبار من بهم جرمٌ ** أصعب من درة بمسمارِ
وذات مرة وقع تاجر ضعيف البنية، هشّ التكوين الجسدي في قبضة مسعود، وعندما همّ مسعود أن يفعل به الفاحشة، مات الرجل بين يديه خوفا ورعبا وهلعا، فهرب مسعود وأطلق ساقيه للريح، وأخذ يعدو أياما في اتجاه الشمال الغربي حتى وصل إلى الإسكندرية، وأقام في البئر خوفا من أتباع الحاكم بأمر الله الذي توعد أن يخصيه إذا لم يعد.
بعد أيام هدأت نفسه، وارتخى عضوه قليلا، وهناك عاينته حورية البحر، وأعجبها جسده وقوته وآلته، فتجسدت له في صورة امرأة في غاية الحسن والبهاء، وجربته بعد أن أطعمته أشهى المأكولات البحرية وسقته أعتق المشروبات الروحية. ثم عقدت اتفاقا معه أن تظهر له كل ليلة لمدة شهر قمري، وإذا أنجبت منه، يصبح مسعود سيدا على البحار ويعيش معها في قصرها الذي تمتد أعمدته تحت الماء بين البئر الذي سمي باسمه وصخرة ميامي.
عموما فإن البعض يعتقد أن هذا البئر يجلب الحظ والبركة، لذا يلقي فيه البعض نقودا معدنية وخاصة من تريد عريسا، أو من تريد إنجاب طفل أو طفلة، أو من يبحث عن عمل، أو يشفى من مرض، أو من له أمنية ما يود أن تتحقق.
هؤلاء الذين يلقون نقودهم في البئر لا يعلمون أنهم بعد أن يغادروا البئر يغوص بعض الشبان بداخله ليجعموا ما به من نقود ملقاة به، ينزلون إلى البئر ويخرجون من البحر.
ولكن لم يعلم أحد أن في هذا البئر سكنت أم الماء وبناتها، وامتدت قاعتها الرئيسية في قصرها حتى أسفل صخرة ميامي. وأن كليوباترا جاءت هنا، وعمّدتها أم الماء لتكون ملكة على مصر قبل أن تتفق مع قيصر الروم على تنصيبها ملكة على الوادي والدلتا وبحار مصر، وأن لهذا البئر ممرا سريا في اتجاهين الاتجاه الأول؛ بري يقود إلى واحة سيوه، وبالتحديد "معبد آمون" والممر الثاني؛ بحري يقود إلى بيروت ثم إلى "مغارة جعيتا".
لا يعرف الذين يلقون نقودهم المعدنية، أنها ستذهب عن طريق الممر الأرضي إلى "معبد آمون" حيث يصلي الكهنة للربة إيزيس لتحقيق حلم من ألقى بعملته، لذا لا بد للمتبرع أن يوشوش عملته المعدنية بما يريد من دعاء أو رغبة يود أن تتحقق. ولكن ما يفسد على هذا المتبرع دعاءه هؤلاء الشباب الذي يغوصون للحصول على العملة قبل أن تذهب مع نظيراتها إلى "معبد آمون".
سيدي بشر
وقف الشيخ المبروك بشر الجوهري على شاطئ البحر، وحده أمام هذا الفضاء الوسيع، ليس هناك سوى الرمل الأشقر والبحر الأبيض والأفق الممتد إلى ما لا نهاية حيث يلتحم البحر بالسماء الزرقاء، وبعض الصخور الصفراء والبُنيّة الفَرِحَة تبدو على يمينه ما بين الرمل والبحر.
توضأ الشيخ بشر من مياه البحر، وصلّى ركعتي شكر لله أن وصل سالما إلى هذه البقعة من شرق الإسكندرية. قرر أن يقضي بقية حياته في تلك المنطقة التي سميت باسمه فيما بعد، وأضاف إليه الناس لقب "سيدي" ليؤكدوا احترامهم وتبجيلهم وتتلمذهم على أيدي هذا الشيخ، فكان "سيدي بشر".
الشيخ بشر بن الحسين بن محمد بن عبيد الله بن الحسين بن بشر الجوهري، لسبب ما قرر اعتزال الناس في هذه البقعة النائية البعيدة عن المدينة. إنه من سلالة آل بشر الذين وفدوا إلى الإسكندرية في أواخر القرن الخامس الهجري أو أوائل القرن السادس الهجري (الثالث عشر الميلادي) مع علماء ودعاة جاءوا من المغرب والأندلس, هل هي قصة حب فاشلة، هل خلاف مع علماء المدينة، ومنهم أبوطاهر حافظ السلفي المولود في أصفهان 478 هجرية، وانتقل للعيش في الإسكندرية عام 511 قبل وفاة سيدي بشر بسبعة عشر عاما. وقد التقى الرجلان وكتب الحافظ السلفي عن سيدي بشر وغيره في كتابه "معجم السفر" روى فيه ذكرياته ومشاهداته بالإسكندرية.
لكن يبدو أن الحافظ السلفي لم يجز أو لم يعترف بعلم بشر الجوهري، فالحافظ قادم من الشرق من أصفهان، وبشر قادم من الغرب من المغرب وبلاد الأندلس، ولم تكن الأمصار الإسلامية وقتها تعترف لأي عالم بعلمه إلا إذا أجازه عالم الإسكندرية الإمام أبو طاهر حافظ السلفي الذي كان يطلق عليه "مسند الدنيا" لأنه كان آخر من يوثق به في علم إسناد الحديث.
ربما لهذا السبب اتخذ بشر الجوهري قرار الزهد والتصوف والانقطاع للعبادة ووعظ الناس وهدايتهم على طريقته والانخراط في طابور السالكين.
    لقاء وفراق
أثناء جولة صباحية لبشر الجوهري على شاطئ البحر، جلس فوق فوهة البئر الموجود منذ آلاف السنين، ولم ينتبه إليه أحد سوى الملكة كليوباترا، فوضعت بعض أسرارها به.
سمع بشر نداء من أسفل البئر، نظر إلى الماء في قعر البئر فوجد أنسيا يطلب منه أن يرفعه إلى أعلى، فقد نال البحر منه ما ناله من تعب ووهن، فتش بشر في حوائجه عن حبل يدليه، فوجد حبلا قصيرا يفي بالغرض، رمي الحبل إلى هذا الأنسي، فتسلق عليه وصعد إلى الأعلى شاكرا بشر الجوهري.
عرف بشر الجوهري أن هذا الأنسي اسمه مسعود، وكان يعيش سعيدا مع أم الماء أو جنية البحر، إلى أن حدث خلاف بينهما بعد أن أحب مسعود إحدى الجنيات من بناتها، عندها قررت الجنية الكبرى طرد مسعود من عالم الماء والبحار والشعاب والمرجان، وعودته إلى عالم الأرض والإنس، وأطلقته وسط البحر يعاني من برودة الماء وتقلبات الجو، وأعاصير البحار، وشراهة الحيتان الكبرى، ومغامرات أسماك القرش، وأسنان الأمواج، إلى أن وصل ذات صباح مشمس إلى شاطئ البحر ودخل في نفق البئر، في الوقت نفسه الذي وصل فيه بشر الجوهري إلى هذا البئر.

بعد أن أخرج بشر القليل من الطعام، من القليل الذي كان معه في خُرجه، فأكلا معا أقل من القليل، حكى مسعود إلى بشر حكايته مع الجنية، كان بشر يرى أن في هذا الكون أسرارا لا نحيط بها، ومخلوقات تعيش حولنا وتسبّح للرحمن لا ندرك كنهها، فقرر أن يحتضن مسعودا، ويعود به إلى عالم التقوى والإيمان البشريين، أن ينسيه عالم الماء والجنيات، أطلق على البئر "بئر مسعود" وكانا يذهبان كل صباح إليه يتعبدان بجانبه.
رحل بشر الجوهري إلى الحياة الأخرى، وقرر مسعود إن يبني له ضريحا في المنطقة التي سميت باسمه، فكان "مسجد سيدي بشر" المطل على البحر وزرع أمامه حديقة كبيرة، لم يزل يرتادها الناس حتى يومنا هذا.
وكما ظهر مسعود فجأة اختفي فجأة بعد وفاة "سيدي بشر"، هل تصالح مع جنية البحر (أم الماء)، وأبدى ندمه وأسفه على فعلته، هل غفرت له وأعادته إلى مملكتها المائية. هل من حقي أن أسألها إذا التقينا في مرة قادمة؟

   

التعليقات






شكرا لك ..! سوف يتم عرض التعليق بعد التدقيق .



   

الميناء السوداني «سواكن»: من يعرف تلك الجزيرة العريقة؟ الميناء السوداني «سواكن»: من يعرف تلك الجزيرة العريقة؟

كثرٌ ربما يسمعون للمرة الأولى عن تلك الجزيرة، على ساحل البحر الأحمر حيث التاريخ العريق، عند شواطئ السودان. هنا تقع سواكن؛ تحديداً شمال شرق البلاد، التفاصيل

بيت زينب خاتون يفتح أبوابه للثقافة والفنون بيت زينب خاتون يفتح أبوابه للثقافة والفنون

تحتوي القاهرة القديمة على تحف معمارية خلفتها العصور الإسلامية منذ العصر الفاطمي، مروراً بالمملوكي والعثماني والتي لا تزال قائمة حتى الآن. ويعتبر بيت التفاصيل

مدينة القدس .. القِدَم والأصالة مدينة القدس .. القِدَم والأصالة

على رغم أن القدس لم يشيدها داود التوراة- الذي لا نعرف مَن هو بالتحديد كما سيأتي- إلا أن يهود كل عصر ينسبونها إليه محاولين طمس هوية المدينة العربية. التفاصيل

حلوان: مدينة الشمس المشرقة والسحر الذي لا يقاوم حلوان: مدينة الشمس المشرقة والسحر الذي لا يقاوم

مدينة حلوان ترتفع عن القاهرة بنحو أربعين متراً، وهو ما جعلها تتمتع بهواء نقي ومناخ نموذجي، خلال فصول العام، ورغم التحديث الذي طغى على شكل المدينة، من التفاصيل

الغورية.. عشقها نجيب محفوظ وسكنها فؤاد نجم الغورية.. عشقها نجيب محفوظ وسكنها فؤاد نجم

عندما يُذكر شارع الغورية أو حي الغورية، تقفز إلى الذاكرة سيرة الأديب الكبير نجيب محفوظ، وثلاثيته الرائعة "السكرية" و "قصر الشوق" و "بين القصرين"، التفاصيل

ملامح القاهرة في ألف سنة ملامح القاهرة في ألف سنة

مؤلف هذا الكتاب، هو الكاتب والروائي جمال الغيطاني، بدأ حياته العملية محررًا بمؤسسة أخبار اليوم، وعمل مراسلا صحفيا في جبهة القتال منذ 1969 وحتى حرب التفاصيل

المسجد الفاطمي يهتف عاش الهلال مع الصليب المسجد الفاطمي يهتف عاش الهلال مع الصليب

في دير سانت كاترين، وفي أحد سراديب الجوار من ممراته العتيقة، يتم عرض مئات الجماجم، يقول تاريخ الدير الرهيب هي لقساوسة، تعاقبوا على كرسي سدة الدير، التفاصيل




" تشابُك " مسرحية سعودية تبحث عن السلام
هي المرة الأولى التي يشارك فيها عرض مسرحي سعودي ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان المسرح العربي في دورته العاشرة...
مهرجان مسقط 2018 في دورته الثامنة عشرة بحلته الجديدة مهرجان مسقط 2018 في دورته الثامنة عشرة
انطلقت فعاليات مهرجان مسقط 2018 في دورته الثامنة عشرة بحلته الجديدة تحت شعار "لنحتفل معا" والذي تستمر...
المصري عمر العقاد ينقل سديم الشرق إلى أميركا المصري عمر العقاد ينقل سديم الشرق إلى
من النادر أن ينجح روائي في وضع رائعة أدبية منذ عمله الأول، خصوصاً حين يستخدم لكتابتها لغة غير لغته الأم....
مدارات يكتبها أدونيس (المتن الذي يصير هامشاً) مدارات يكتبها أدونيس (المتن الذي يصير
كل دفاعٍ يتضمن الهجوم. وأحياناً يكون نوعاً من الهجوم. لنقلْ، بتعبيرٍ آخر، الهجوم هو النواة الأولى في كل...
نادي السرد يحتفي بالقاص حسب الله يحيى ومجموعته القصصية الجديدة نادي السرد يحتفي بالقاص حسب الله يحيى
احتفى نادي السرد في الإتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، بالقاص والناقد حسب الله يحيى ومجموعته القصصية...

هل تتوقع ان تستجيب قطر لمطالب الدول المقاطعة لها؟

نعم
لا
ربما






جريدة صوت البلد

© جميع الحقوق محفوظة لموقع جريدة صوت البلد 2018