facebook   twitter  youtube
الدكتور خالد غازي





أراء وكتاب
أمير تاج السر
د. لنا عبد الرحمن


مسكن طه حسين في قلب القاهرة.. أصالة تحاول الصمود

رحاب عليوة (الحياة:) الخميس, 22-سبتمبر-2016   05:09 صباحا

شكرا لك ..! لقد تم ارسال المقال بنجاح .
اغلاق

ارسال » مسكن طه حسين في قلب القاهرة.. أصالة تحاول الصمود
اسمك
بريدك الالكتروني
مرسل لبريد الكتروني
نص الرسالة


ارسال مقال ارسل | اضف تعليق|حفظ المقال حفظ|طباعة مقال طباعةاضف للمفضلة اضف المقال للمفضلة

على مقعد خشب قديم ككل شيء حوله، جلس يتابع بنهم دورة الألعاب الأولمبية التي تعرضها القناة الرياضية في التلفزيون المصري. أمامه كوب من الشاي فرغ منتصفه في رشفات متتابعة كاللكمات التي يوجهها المصارع إلى منافسه على الشاشة. المصريون لا يتابعون عادة ألعاباً رياضية سوى كرة القدم «اللعبة الشعبية الأولى»، ولا يقبلون على شراء قطع الأنتيكا ولم يعودوا مهتمين كثيراً بذاكرة المكان. وعلى رغم ذلك، لم ينل من شغف العم ماهر وذاكرته شيء.
بالشغف ذاته كان شخص آخر أو أكثر يحتلون غرفة العم ماهر قبل سنوات طويلة، تحديداً حين كان محمد علي يفترش سريره المبطن في القلعة، مطمئناً إلى حال التجارة التي عادت لتزدهر بعد حقبة مريرة من احتلال فرنسي وصراع مملوكي. وقتذاك، لم يكن الغبار يكسو الغرف والممرات كما هو الآن، فسليمان باشا السلحدار بناها للتو، أقرب ما يكون إلى «اللوكندة» (النزل) بمفهومنا الحالي، تستقبل تجار الشام المقبلين إلى أرض المحروسة، يشترون منها القطن والرز والحبوب والتمر ليعودوا بها إلى الشام، بعد أن يخلصوا جِمالهم من حمل ثقيل جاؤوا به من طرابيش وأنسجة صوف وحرير وأوانٍ وخردوات نحاس. عملية تستغرق أسابيع يقيمون خلالها في المكان المصمم ليناسبهم تماماً، طبقة سفلية للخيل والجمال والبضائع وأخرى علوية تحوي الغرف.
أشار العم ماهر إلى سقف الغرفة بعد جولة بين أنتيكات من لوحات نحاس منقوشة باليد وساعات تعود إلى حقبة الستينات، وأول هاتف ظهر وقتذاك «تشارلي»، هكذا سمّاه، بعدما وضع السماعة على أذنه والجهاز أمام فمه في عرض لطريقة عمله. يقول بحماسة: «كل شيء في الغرفة ما زال كما هو منذ بنائه، بما في ذلك السقف المرتفع ذو الألواح الخشب. صحيح أننا جددناه لكن لم نستبدله بالخرسانة، فالمكان شهد حقباً عدة بداية من تجار الشام، ثم مبيت طلاب الأزهر. طه حسين خرج من هنا».
«ما زال الصبي ماضياً في طريقه حتى إذا بلغ مكاناً بعينه علم أنه سينحرف بعد خطوة أو خطوتين إلى الشمال ليصعد السلم الذي سينتهي به حيث يقيم. كان السلم متوسطاً، ينحرف منه جهة اليسار تاركاً عن يمينه فجوة لم يَجْلُها قط، إلا أنه يعلم أنها تؤدي إلى الطبقة الأولى من ذلك البناء الذي أقام فيه أعواماً طويلة». هكذا، وصف طه حسين ربع السلحدار الذي أقام فيه بعد قدومه إلى القاهرة، المكان الذي لا يزال كما هو بتجويفه الذي يُنبت أشجاراً متهالكة أحيطت بسور خشب، بعدما فصل الطبقة الأولى عن الثانية بإزالة السلم.
ويضيف طه حسين في كتابه «الأيام» (عن قصة حياته): «لا يكاد يبلغ الطبقة الثانية حتى تجد نفسه المكدورة شيئاً من الراحة يأتيه من هذا الهواء الطلق، ثم يدخل الصبي بيته في غرفة هي أشبه بالدهليز. كان مجلسه فيها محدوداً عن شماله إذا دخل الغرفة، يمضي خطوة أو خطوتين فيجد حصيراً بسط على الأرض، ألقي عليه بساط قديم ولكنه قيّم، هنالك يجلس أثناء النهار وهنالك ينام أثناء الليل، تُلقى له وسادة يضع عليها رأسه ولحاف يلتف فيه».
لم يكن طه حسين الأديب الوحيد الذي مر من ذلك الربع، فجمال الغيطاني، الروائي المصري ورئيس تحرير مجلة «أخبار الأدب»، أتى على ذكره في كتابه «تجليات مصرية». يمضي ساعات في غرفة من غرف الربع تسكنها الجمعية التعاونية لخان الخليلي، حين كان الغيطاني أحد موظفيها.
ليست صنعة لكسب العيش أو هواية لملء فراغ، بل علاقة عميقة بين هؤلاء الغارزين أعينهم في فراغات تحفة نحاس يطعّمونها، علاقة أقرب إلى «العشق» فيقول عنهم العم ماهر: «عشت سنتين بين نقاشي النحاس وفناني النقش بالصدف ورفاء السجاد والنجار العربي، أرابيسك، وعرفت الصناع الكبار وتفانين كل منهم... يمثل أمامي وجه الحاج سعيد (صدف) والحاج فتحي (فضة) والحاج القربي (جلود). أما الحاج ماهر (نحاس) فهو الوحيد الذي لا يزال محافظاً على علاقته بالربع، وسط متاجر لشباب يستوردون البضائع الصينية ولا يعرفون عن تاريخ الربع شيئاً ولا يتابعون سوى كرة القدم».
ويضيف: «الصنعة لم تعد كما كانت في الماضي. مهنتي عشق لا باب رزق. أتذكر كيف كنت أخرج من المدرسة الأزهرية وآتي إلى هنا أجلس تحت قدمي جدي إلى أن مسّني مثله ذلك العشق... من المستحيل أن تقع في يدي قطعة أنتيكا أو نحاس ولا أشتريها، فأنا أعلم قيمة تلك الأشياء جيداً. حتى لو أغرى الصيني أعين الزبائن بلمعته الزائفة، سيظل الأصل محفوظاً بمن يعلم قيمته ويقدره، وهم قلة».
تخرج من غرفته لتستوقفك تحف أخرى وضعت على بابه، منها آلات كاتبة تعود إلى حقبة الحرب العالمية الثانية ولوحة خشب برقعة نحاس منقوش عليها رسم لحجر رشيد، فقد كان مدير مدرسة يأتي إلى هذا المكان ليصنعوها له، فيقدمها هدايا لمن يزوره في المدرسة القريبة من نقطة العثور على الحجر. حافظ عليها ماهر إلى الآن، أما ابنه الوحيد الذي يدرس التجارة في جامعة عين شمس بالقاهرة ولم يصبه شيء من عشق أبيه، فقد يستبدلها ببضائع صينية، بما أنه لن يستطيع بيع تلك الغرفة التي هي ملك لوزارة الأوقاف المصرية.

   

التعليقات






شكرا لك ..! سوف يتم عرض التعليق بعد التدقيق .



   

الميناء السوداني «سواكن»: من يعرف تلك الجزيرة العريقة؟ الميناء السوداني «سواكن»: من يعرف تلك الجزيرة العريقة؟

كثرٌ ربما يسمعون للمرة الأولى عن تلك الجزيرة، على ساحل البحر الأحمر حيث التاريخ العريق، عند شواطئ السودان. هنا تقع سواكن؛ تحديداً شمال شرق البلاد، التفاصيل

بيت زينب خاتون يفتح أبوابه للثقافة والفنون بيت زينب خاتون يفتح أبوابه للثقافة والفنون

تحتوي القاهرة القديمة على تحف معمارية خلفتها العصور الإسلامية منذ العصر الفاطمي، مروراً بالمملوكي والعثماني والتي لا تزال قائمة حتى الآن. ويعتبر بيت التفاصيل

مدينة القدس .. القِدَم والأصالة مدينة القدس .. القِدَم والأصالة

على رغم أن القدس لم يشيدها داود التوراة- الذي لا نعرف مَن هو بالتحديد كما سيأتي- إلا أن يهود كل عصر ينسبونها إليه محاولين طمس هوية المدينة العربية. التفاصيل

حلوان: مدينة الشمس المشرقة والسحر الذي لا يقاوم حلوان: مدينة الشمس المشرقة والسحر الذي لا يقاوم

مدينة حلوان ترتفع عن القاهرة بنحو أربعين متراً، وهو ما جعلها تتمتع بهواء نقي ومناخ نموذجي، خلال فصول العام، ورغم التحديث الذي طغى على شكل المدينة، من التفاصيل

الغورية.. عشقها نجيب محفوظ وسكنها فؤاد نجم الغورية.. عشقها نجيب محفوظ وسكنها فؤاد نجم

عندما يُذكر شارع الغورية أو حي الغورية، تقفز إلى الذاكرة سيرة الأديب الكبير نجيب محفوظ، وثلاثيته الرائعة "السكرية" و "قصر الشوق" و "بين القصرين"، التفاصيل

ملامح القاهرة في ألف سنة ملامح القاهرة في ألف سنة

مؤلف هذا الكتاب، هو الكاتب والروائي جمال الغيطاني، بدأ حياته العملية محررًا بمؤسسة أخبار اليوم، وعمل مراسلا صحفيا في جبهة القتال منذ 1969 وحتى حرب التفاصيل

المسجد الفاطمي يهتف عاش الهلال مع الصليب المسجد الفاطمي يهتف عاش الهلال مع الصليب

في دير سانت كاترين، وفي أحد سراديب الجوار من ممراته العتيقة، يتم عرض مئات الجماجم، يقول تاريخ الدير الرهيب هي لقساوسة، تعاقبوا على كرسي سدة الدير، التفاصيل




" تشابُك " مسرحية سعودية تبحث عن السلام
هي المرة الأولى التي يشارك فيها عرض مسرحي سعودي ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان المسرح العربي في دورته العاشرة...
مهرجان مسقط 2018 في دورته الثامنة عشرة بحلته الجديدة مهرجان مسقط 2018 في دورته الثامنة عشرة
انطلقت فعاليات مهرجان مسقط 2018 في دورته الثامنة عشرة بحلته الجديدة تحت شعار "لنحتفل معا" والذي تستمر...
المصري عمر العقاد ينقل سديم الشرق إلى أميركا المصري عمر العقاد ينقل سديم الشرق إلى
من النادر أن ينجح روائي في وضع رائعة أدبية منذ عمله الأول، خصوصاً حين يستخدم لكتابتها لغة غير لغته الأم....
مدارات يكتبها أدونيس (المتن الذي يصير هامشاً) مدارات يكتبها أدونيس (المتن الذي يصير
كل دفاعٍ يتضمن الهجوم. وأحياناً يكون نوعاً من الهجوم. لنقلْ، بتعبيرٍ آخر، الهجوم هو النواة الأولى في كل...
نادي السرد يحتفي بالقاص حسب الله يحيى ومجموعته القصصية الجديدة نادي السرد يحتفي بالقاص حسب الله يحيى
احتفى نادي السرد في الإتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، بالقاص والناقد حسب الله يحيى ومجموعته القصصية...

هل تتوقع ان تستجيب قطر لمطالب الدول المقاطعة لها؟

نعم
لا
ربما






جريدة صوت البلد

© جميع الحقوق محفوظة لموقع جريدة صوت البلد 2018