facebook   twitter  youtube
الدكتور خالد غازي





أراء وكتاب
أمير تاج السر
د. لنا عبد الرحمن


لا يبدون لي سوريين أبدا!

دافيد غروسمان (هآرتس:) الأحد, 15-نوفمبر-2015   07:11 صباحا

شكرا لك ..! لقد تم ارسال المقال بنجاح .
اغلاق

ارسال » لا يبدون لي سوريين أبدا!
اسمك
بريدك الالكتروني
مرسل لبريد الكتروني
نص الرسالة


ارسال مقال ارسل | اضف تعليق|حفظ المقال حفظ|طباعة مقال طباعةاضف للمفضلة اضف المقال للمفضلة

هذا الاسبوع، في مقهى في القدس، تلفزيون صامت معلق على الحائط، وأنا اسمع من خلفي امرأة تقول لرفيقتهاه: «موجة اللاجئين هذه، السوريين، لا أدري…

٭ ما الذي لا تدرينه؟ تسأل الرفيقة.

٭ منذ اظهرهم التلفزيون، مع نسائهم وأطفالهم… لا أدري، لا يبدون لي سوريين على الاطلاق.

٭ فماذا يبدون لكِ إذن؟

٭ هو ذا، أنا لا… مجرد يبدون لي… وجوههم، وكي يتحدثون وأنتِ ترينهم يخافون، يجرون أولادهم على الاكتاف.

فأجابتها رفيقتها على الفور: «هؤلاء، حتى هكذا، في وضعهم، الان وفي هذه اللحظة كانوا سيذبحوننا جميعنا. انظري ماذا يفعلون الواحد بالاخر في سوريا، اخوانهم، فكري ماذا كانوا سيفعلون بنا لو كان بوسعهم فقط». «انتِ محقة»، قالت بتواضع تلك التي تحدثت أولا، «ولكن مع ذلك، الاطفال يؤلمون». فقالت رفيقتها، جميل جدا، كان عليهم ان يفكروا في هذا قبل أن يبدأوا بكل فوضاهم».

وأنا استمعت اليهما، وفكرت في السوريين، الذين على مدى عشرات السنين كانوا لنا، في إسرائيل، التجسيد للشيطان: مقاتلات الكوماندو السوري اللواتي يأكلن الافاعي الحية، شنق ايلي كوهن، تعذيب الاسرى الإسرائيليين في سوريا، قصف بلدات الجليل، وبالطبع، الحرب الاهلية الوحشية.

وفكرت انه الان، وفي اعقاب خراب سوريا وموجة الهجرة، حصل شيء ما: فجأة نحن، الإسرائيليين، يمكننا أن نراهم في سياق آخر ايضا: رجال ونساء وشباب وأطفال، ممن ظلمهم القدر بوحشية، اقتلعهم من كل ما عرفوه واعتادوا عليه. توجد حركة جديدة في نظرتنا التي تتفحصهم، سيماء جديدة تنكشف لنا فيهم، تعابير وجه وحركات جسد لم نرها في «بنك الصور» الذي خزناه في عقولنا عند الحديث عن سوريا. صور كانت تقريبا حصريا في سياق الحرب: مناورات، مسيرات عسكرية، أداء للتحية وهتافات عداء لإسرائيل. فجأة هذه تظهر حركات بشرية: أهالي واطفال، فتيات في الجينز، فتيان مع جهاز للموسيقى وأذنيات استماع لها. عيون متألمة، يائسة، آملة. ايماءات حميمة لزوجين.

وربما لهم ايضا، للاجئين من سوريا، ستتيح الهزة التي يجتازونها لهم ان ينظروا بشكل جديد إلى حياتهم؟ لعله سيكون بينهم من يفرحه أن يتخلص من قبضة الاسد التي كانوا عالقين فيها في موقفهم من إسرائيل، قيد الشر والكراهية؟

وهذا قيد في داخله، كما يمكن أن يقال، ولدوا، ويبدو أنهم رأوا فيه طريق الحياة الجيدة لهم، او الطريق الوحيد الممكن لهم؛ القيد الذي حبستهم فيه ظروف الحياة، أي، السياسة والخطاب لحكامهم الطغاة، حالة الحرب الطويلة بين إسرائيل وسوريا، غسل العقول الذي اجتازوه من الرضاعة، في موقفهم من إسرائيل. وكان ايضا بالتأكيد القيد الذي حبستهم فيه إسرائيل: التهديد الذي تشكله عليهم، قوتها العسكرية التي هزمتهم المرة تلو الاخرى. وربما ايضا هكذا نشأ وجه الحرب الذي اعتاد الشعب السوري ارتداءه امام إسرائيل ـ دوما ولكن وفقط وجه الحرب ـ الوجه الذي نحن في إسرائيل أبديناه لهم، كما في المرآة. 

أو ربما نكون نحن الذين اتخذنا كل الوقت وجه الحرب، ولم يفعلوا هم سوى أن عكسوه لنا؟

كلنا ننتج العلاقة، بل واحيانا نكون أسرى هذه العلاقة: ضعونا في وضع مستمر من الحرب، فنكون مقاتلين، وكارهين، وقوميين متطرفين ومتزمتين. سنكون اناسا مغلقين. ولكن اعطونا شروط وجود حسنة، آمنة، محترمة، او حتى انظروا فقط الينا: فسترونا، اجتهدوا كي تستخلصوا وجه الانسان عندنا من بين الشطب الكبير الذي يمس بكل من ينجرف، بغير صالحه، إلى داخل حركة كبيرة اقتلعته من مكانه ـ وعندها يكون احتمال ان نستعيد ما خسرناه.

ومرة اخرى، الافكار عن التشويه الذي يحدثه فينا العداء العميق الذي في داخله تجري حياتنا منذ بضعة اجيال وليس فقط في علاقاتنا مع سوريا. وعن الثمن الذي ندفعه، ثمن الانكماش والتسطيح الذي نجريه لاولئك الذين يقفون امامنا، اولئك الذين نحددهم كعدو ـ بما في ذلك العدو من الداخل، من اليمين او من اليسار ـ الذين من اللحظة التي صنفوا فيها كعدو، يفقدون في نظرنا تركيبهم، وكامل وجودهم. والاحساس بان الاليات الحديدية لهذا القيد، قيد الحرب والكراهية، تعمقت في عروقنا لدرجة أنه بات من السهل ان نؤمن بانها عظام وعضلات جسدنا. انها طبيعتنا. انها طبيعة العالم كله، دوما، إلى الابد.

أمور ليس لها مستوى، ليس ثمة طريق لقياسها. وهي تقوض أساسات البيت: مهانة الوجود في داخل حرب مستمرة، لم يعد أحد يحاول بجدية انهاءها. ومهانة التكيف الطائع مع الحركات القاهرة للحرب. ومهانة اننا بتنا كالدمى التي تشدها الخيوط في أيدي اولئك الذين تعد الحرب بالنسبة لهم طبيعتهم الثانية، وفي واقع الامر ـ طبيعتهم الاولى. وعلى أننا نجتهد لان نعثر على ايديولوجيا اخرى تستهدف تبرير وتعليل التشويه الذي يصرخ إلى السماء، في وضعنا.

شعب يعيش الحرب ـ يختار المقاتلين ليقودوه. في هذا منطق ما قد يفترض به أن يساعد على البقاء. ولكن يحتمل أن يكون العكس بالذات هو الصحيح: لعل الزعماء المقاتلين، الكفاحيين، الذين يمتلىء وعيهم بالشك والهلع، يحكمون على شعبهم بأن يعيش في حرب مستمرة؟

يجدر بنا ان ننظر إلى وجوه الرجال والنساء السوريين الذين يهربون من جحيم بلادهم. دون أن ننسى سنوات الحرب والكراهية التي تقف بيننا، يجدر بنا أن ننظر اليهم جيدا، إذ فجأة، مثلما لاحظت المرأة في المقهى، يطل من هذه الوجوه شيء ما معروف. قد يكون ذاكرة اللجوء المغروسة فينا، او أضرارا ما انسانية نعرفها جيدا، ترتبط بمعرفة هشاشة الوجود ورعب من تسحب الارض من تحت اقدامه. للحظة ما يثور التساؤل هل هؤلاء هم الناس ورفاقهم ممن قاتلناهم عشرات السنين.

وعندها يطرح السؤال الاكبر: ما الذي نفوته ايضا، وعما تعمى عيوننا عن أن تراه ايضا، حين تكون رؤوسنا عالقة عميقا في القيد.

هآرتس ـ 13/11/2015

دافيد غروسمان

   

التعليقات






شكرا لك ..! سوف يتم عرض التعليق بعد التدقيق .



   

مفرقعات إعلامية عربية تدفع المواطن إلى كتم الصوت مفرقعات إعلامية عربية تدفع المواطن إلى كتم الصوت

يصعب تحديد التاريخ الذي انفجر فيه اللغم في وجه صانعيه. كما يستعصي وضع معايير واضحة لهوية محتويات اللغم وتركيبة مواده المتفجرة، لأن بعضها يعود تاريخ التفاصيل

القصة تنتهي عند الصحافي لتبدأ لدى الجمهور القصة تنتهي عند الصحافي لتبدأ لدى الجمهور

يزداد اهتمام الصحافيين حول العالم بصحافة الحلول التي تعنى بمعالجة المشاكل في القصة الصحافية بدلا من التركيز على المشاكل نفسها، وتوضيح الهدف منها، من التفاصيل

المدونات نهضت بالإعلام البديل فخسرت أمام مواقع التواصل المدونات نهضت بالإعلام البديل فخسرت أمام مواقع التواصل

أوجدت تقليدية الإعلام الرسمي أشكالا أخرى للتعبير، بدأت مع “المدونات” التي استعملت أدوات محفزة لعبت دورا في جذب المتلقي. ولاقى التدوين نجاحا كبيرا في التفاصيل

علاقة جدلية بين السوشيال ميديا والكتب علاقة جدلية بين السوشيال ميديا والكتب

الكتاب صديق الوحدة الثقيلة وأنيس الإنسان أينما كان، سفر طويل في الأمكنة والأزمنة، لكنه بات في زمن العولمة والحروب والجري وراء متطلبات الحياة من أكل التفاصيل

الاعتداءات الجنسية داخل مؤسسات الفن والسياسة والمخابرات والرياضة الاعتداءات الجنسية داخل مؤسسات الفن والسياسة والمخابرات والرياضة

بعد اتهامات عدد كبير من النساء للمنتج السينمائي الأمريكي هارفي واينستين باعتداءات جنسية عليهن، انتقلت موجة الاتهامات، نحو فئات أخرى كالسياسيين التفاصيل

الصحافة تعود إلى جمهورها المستعد لدفع ثمن أخبارها الصحافة تعود إلى جمهورها المستعد لدفع ثمن أخبارها

تعول المؤسسات الإعلامية اليوم على المحتوى المدفوع في ظل تراجع إيرادات الإعلانات، وتبحث عن شتى الحلول والأساليب التي تجذب القراء والمستخدمين للدفع التفاصيل

لماذا يعود جورج أورويل إلى بي بي سي؟ لماذا يعود جورج أورويل إلى بي بي سي؟

أزيح الستار عن تمثال للروائي البريطاني الشهير جورج أورويل في باحة مبنى هيئة الإذاعة البريطانية الجديد (نيو برودكاستنغ هاوس)، وذلك على بعد دقائق قليلة التفاصيل




مخطوطات ماركيز مجانا للقراء عبر الانترنت مخطوطات ماركيز مجانا للقراء عبر الانترنت
نشرت جامعة تكساس على الانترنت حوالى 27500 وثيقة مأخوذة من ارشيف الكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز اي نصف...
فلسفة الهند وتحولاتها التاريخية من خلال موسيقاها فلسفة الهند وتحولاتها التاريخية من خلال
عندما تحدث ريجنالد ماسي عن خصوصية وأزلية وأهمية علاقة الإنسان بالموسيقى؛ فهو بذلك يؤكد أن فن وعلم الموسيقى...
على خطى سارتر في مقهى دي فلور على خطى سارتر في مقهى دي فلور
بولفار سان جرمان أحد أشهر معالم باريس الثقافية إنه يضم سلسلة من المقاهي التي عرفت ألوانا من النشاط والإبداع...
جائزة الشيخ زايد للكتاب تعلن القائمة الطويلة لفرع جائزة الشيخ زايد للكتاب تعلن القائمة
أعلنت جائزة الشيخ زايد للكتاب اليوم عن القائمة الطويلة لفرع "أدب الطفل"، لدورتها الثانية عشرة (2017-2018 )....
الشجرة في اللوحة التشكيلية .. الجمالية والغائية الشجرة في اللوحة التشكيلية .. الجمالية
المفردة في اللوحة التشكيلية: تشكل المفردة في اللوحة التشكيلية عنصرا حيويا يتكامل مع باقي العناصر ليشكل...

هل تتوقع ان تستجيب قطر لمطالب الدول المقاطعة لها؟

نعم
لا
ربما






جريدة صوت البلد

© جميع الحقوق محفوظة لموقع جريدة صوت البلد 2017