facebook   twitter  youtube
الدكتور خالد غازي





أراء وكتاب
أمير تاج السر
د. لنا عبد الرحمن


كتابة الفانتازيا

أمير تاج السر (القدس العربي:) الجمعة, 01-ديسمبر-2017   11:12 صباحا

شكرا لك ..! لقد تم ارسال المقال بنجاح .
اغلاق

ارسال » كتابة الفانتازيا
اسمك
بريدك الالكتروني
مرسل لبريد الكتروني
نص الرسالة


ارسال مقال ارسل | اضف تعليق|حفظ المقال حفظ|طباعة مقال طباعةاضف للمفضلة اضف المقال للمفضلة

من الآداب التي تنتشر كثيرا في الغرب ولا تظهر عندنا إلا بشكل خجول، أدب الفانتازيا الذي يختص بصياغة عوالم كاملة من الخيال، تحوي مكاسبها وخساراتها وحدها، بدون أي ارتباط بالعالم المعروف. وأدب الخيال العلمي الذي يخترع فيه المؤلف نشاطا علميا غير متوفر في وقت الكتابة، وقد يتوفر مستقبلا استنادا للرواية الخيالية، أو بوحي منها، وأيضا الرواية البوليسية التي تحدثت عنها من قبل بوصفها ترفا متقدما على عالمنا، الذي رغم مآسيه وما يسوده من عنف وخراب، وقهر وصلف، واعتداء هنا وهناك، إلا أن الجريمة المنظمة التي تستوجب كتابة أدب بوليسي، تبدو نادرة.
وقد اندهشت فعلا حين قرأت مرة عن رجل من صميم أهل السودان، سافر إلى أمريكا وعاد في خمسينيات القرن الماضي، لينظم سرقة جريئة لأحد المصارف في مدينة إقليمية، بمواصفات العصابات الأمريكية، لكن طرحه كان بدائيا وساذجا، وآثار جريمته كانت واضحة جدا، بحيث تم القبض عليه وعلى شركائه في اليوم نفسه الذي تمت فيه السرقة، وقبل أن تتسرب نقود المصرف من بين أيديهم.
حقيقة كان الطرح هنا مختلفا جدا رغم بدائيته، ولعله ظل طرحا رائدا وفريدا في عالم سرقة المصارف العربية، ولم أسمع أنه تكرر في مكان آخر، لدرجة فكرت في كتابة تلك القصة، وزيادتها بالخيال طبعا، لكن مع الأسف لا يوجد وقت لكتابة كل شيء، وبعض المعطيات الجيدة قد تتسرب بلا تأطير، بينما معطيات فقيرة، تلهب الخيال وتصنع قصصها.
أدب الفانتازيا، في رأيي أدب عظيم، هو ليس تحديا للخيال فقط، ولكنه تحد للقدرات الأخرى للمؤلف، من صبر ومثابرة واحتيال على كل ما هو موجود في سبيل ابتكار ما ليس موجودا. أنت هنا لا تكتب الشوارع والبيوت والأسواق، وحتى بؤر التلف من خمارات ومراقص وبيوت منكر، بوجودها الفعلي نفسه في العالم، بل لا تكتبها أصلا، ولكن تكتب أشياء أخرى، بأسماء أخرى، بقوانين أخرى، وحتى الناس إن حملوا ملامح الناس العاديين وأسماءهم، يبقى شيء في سلوكهم، وتفاعلهم مع بعضهم بعضا، ومع مجتمعهم، مختلفا تماما عما هو مألوف، ويكتب بصورة يومية في النصوص. هناك أشجار غير موجودة في علم النبات، سواء بأسمائها أو وصف فروعها وظلالها، هناك حيوانات لا يتعرض لها علم وصف الحيوان، وتحمل أيضا أوصافا غريبة وجديدة، وأسماء اخترعها المؤلف، وتبدو ملائمة جدا، وقد تجد قبائل وأقليات ومذاهب عقائدية، غير موجودة إلا داخل الخيال الخصب الذي أنتجها نصوصا.
وفي رواية «لعبة العروش» مثلا للأمريكي جورج مارتن، تلك الرواية الضخمة التي أنتجت مسلسلا تلفزيونيا أيضا، تجد ذلك التناغم الفوضوي الذي ذكرته، الغابات بأشجارها المخترعة، الأسلحة بأسمائها الجديدة، القبائل التي لا توجد في أي واقع، والأحداث التي تعيش معها وكأنك تعيش في حلم، وعلى الرغم من أن السينما أو الإنتاج المرئي عموما، يضيف للفانتازيا طعما مجسدا، يمكن تذوقه مباشرة والتفاعل معه، كما نلاحظ في فيلم «أفاتار» الفانتازي الشهير عن غزو العالم الخارجي، وفيلم «أبو كليبتو»، عن محاربة الهمجية في الغابات، بهمجية أخرى تدعي التحضر، إلا أن الرواية الفانتازية لها طعمها الخاص، وتشد القراءة كما أعتقد، وتجدني شخصيا، مشدودا للكتاب أكثر من انشدادي للعمل المرئي، لذلك أستمتع بـ»لعبة العروش» وغيرها، وأنا أقرأ الأوصاف والحوارات كما صيغت من قبل كاتبها، لا كما صاغها آخر دراميا ووظفها في عمل مرئي.
أظنني أحب الفانتازيا، واستفدت منها في كثير من أعمالي ولكن بشكل جزئي، أي أن ترد أحداث ومعطيات فانتازية، في نص قريب من الواقع، لذلك صنفت كتابتي واقعية سحرية، والحقيقة لا أعرف إن كان الأمر هكذا، أم هناك تصنيف آخر؟ وأذكر أنني في كثير من الأعمال كنت أكتب أمراضا بأعراضها ومضاعفاتها ولا تكون موجودة في الواقع، أكتب أدوية للعلاج وأيضا لا تكون موجودة، وقد سئلت كثيرا عن مرض اسمه: التخمة الكاذبة، ينفخ المصارين عند الجوع الشديد، ويؤدي لانفجارها، كنت وضعته في أحد النصوص، ورددت بأنه مرض مخترع، لكن ما زال هناك من يبحث عن مرادف له في الأمراض المعروفة ولا يعثر على شيء، وأظنني واجهت مشكلة كبرى مع مترجمة دقيقة أصرت على معرفة أصول العطور التي كتبتها في نص آخر، بأسماء غير معروفة ولا يوجد مقابل لها في الواقع، وأيضا طريقة تحضيرها غير الواقعية، واضطررت إلى حذفها من النص المترجم لأن خيال المترجمة لم يكن واسعا لتتخيل أشياء مثل هذه.
وفي السنوات الأخيرة، كثفت من قراءتي للأعمال الفانتازية، على أمل أن أتمكن من كتابة نص فانتازي كامل، لا يتحمل تبعات المجتمع الذي نعيشه، ولا يقترب منه بأي شكل، وربما أستطيع، أو لا أستطيع، وأظن أن البيئة التي أتيت منها تمتلك مقومات أن تمنح الفانتازيا مثلما تمنح الواقع السحري، وأن المسألة تجربة في النهاية، لو لم أجربها قد يجربها آخرون أفضل مني وينجحون.
بالنسبة للخيال العلمي، هذا أيضا أدب معضلة، أي أدب يحتاج لذهن صاف وعقلية مخترع حقيقي حتى يشق طريقا ضبابيا في العلم إلى المستقبل ويجيئنا برواية قد تكون نبوءة لما سيكتشف لاحقا.
هناك كتاب عرب دخلوا هذا المجال، وبعضهم قد يكون حكيما وجادا، ومتخيلا بارعا، لكن في الحقيقة تبقى المسألة الجوهرية، وهي أننا في الوقت الحالي لا نخترع أي علم مستقبلي، وعلماؤنا الذين يستطيعون ذلك، هم في النهاية غربيون، عثر عليهم الغرب وضمهم إلى مملكته، والذين يعودون منهم إلى بلادنا بغية تطويرها، وإفادتها، يفاجأون بأن لا أحد يريدهم ولا أحد يحتفي بمنجزاتهم، فيعودون إلى حيث ينجزون ويكافأون، وأظنني سأفاجأ كثيرا لو قرأت رواية عربية عن سياحة داخل شريان أو وريد، وحوار هادئ أو عنيف بين كريات الدم البيضاء والحمراء والصفائح الدموية، وجنون الأوكسجين حين يتمرد فجأة على تلك الخلايا، ويمتنع عن تغذيتها وتحدث مظاهرة كبرى تنادي بالإطاحة بالأوكسجين، أسوة بتلك التي تنطلق في الواقع تنادي بالإطاحة بديكتاتور ما.
...
كاتب سوداني

   

التعليقات






شكرا لك ..! سوف يتم عرض التعليق بعد التدقيق .



   

الوَلَعُ الدِّيني في مِصر الوَلَعُ الدِّيني في مِصر

ولأن كثيرين لم يقرأوا ما يكتب عن تجديد الخطاب الديني أو تطويره فوق المنابر وأسفلها أيضا ، ولأننا على إصرارنا القديم بضرورة غلق كافة أبواب الاجتهاد التفاصيل

في معرض للكتب في معرض للكتب

في معرض الدوحة الأخير للكتاب، الذي عقد في الفترة من نهاية تشرين الثاني (نوفمبر)، إلى الخامس من كانون الأول (ديسمبر) الجاري، التقيت بشاب أعرفه، يحمل التفاصيل

طائرٌ أجنحته من الألمنيوم طائرٌ أجنحته من الألمنيوم

يقدم ناظم حكمت من خلال تجربته الشعرية خطابا مستمدا من بيئته، من تكوين موجوداتها ومؤثرات تلك الموجودات على الحياة العامة والشخصية وينعكس ذلك الخطاب التفاصيل

البحث عن البحث عن "حافة الكوثر"

تتقاطع بعض الروايات مع الحياة مباشرة، وتستمد خطابها منها بلا مواربة، أو انحيازات مستترة لاخفاء الحقيقة، تطرح أزمتها وأسئلتها المؤرقة على الورق، تلك التفاصيل

كتابة الفانتازيا كتابة الفانتازيا

من الآداب التي تنتشر كثيرا في الغرب ولا تظهر عندنا إلا بشكل خجول، أدب الفانتازيا الذي يختص بصياغة عوالم كاملة من الخيال، تحوي مكاسبها وخساراتها التفاصيل

الشخصيات الحقيقية للروايات العربية والأجنبية الشخصيات الحقيقية للروايات العربية والأجنبية

يعاني كتاب القصة والرواية من الشخصيات الحقيقية لقصصهم ورواياتهم – فمن الممكن أن تطاردهم هذه الشخصيات - فالراحل محمد الجمل كتب روايته من "كفر الأكرم التفاصيل

الاستشراق تزوير .. الأصول الثقافية في الشرق الاستشراق تزوير .. الأصول الثقافية في الشرق

قال كافافيس شاعر الإسكندرية: عندما تشرع عائداً الى ايثاكي لا تتعجل ... تمنَّ أن تكون الرحلة طويلة ... مليئة بالمغامرات، غنية بالمعلومات ... فمثل التفاصيل




نجيب محفوظ والسينما نجيب محفوظ والسينما
تعتبر الدراسات التي تعتمد على مقارنة حقيقية بين الآداب والسينما قليلة للغاية، رغم وجود كم كبير من الأفلام...
الوَلَعُ الدِّيني في مِصر الوَلَعُ الدِّيني في مِصر
ولأن كثيرين لم يقرأوا ما يكتب عن تجديد الخطاب الديني أو تطويره فوق المنابر وأسفلها أيضا ، ولأننا على إصرارنا...
محسن حامد والمغادرة غربا محسن حامد والمغادرة غربا
تنافس رواية " مغادرة الغرب" للكاتب الباكستاني محسن حامد على جائزة "المان بوكر"، إنها رواية عن الهجرة...
أحمد مجدي همام يقدم الوصفة السحرية الرقم 7 أحمد مجدي همام يقدم الوصفة السحرية
أرض جديدة هي «اللابوريا»، وأبطال ليسوا من البشر ولا العفاريت، بل «الحراصيد» وحكايات تتخذ طابع المغامرات،...
تاريخ العنف، والعنف الجنسي تاريخ العنف، والعنف الجنسي
قد يبدو مفاجئًا جدًا للقارئ، لا سيما العربي الذي يعيش في ظروف تاريخية عنيفة: كلُّ أنواع العنف البشري، من...

هل تتوقع ان تستجيب قطر لمطالب الدول المقاطعة لها؟

نعم
لا
ربما






جريدة صوت البلد

© جميع الحقوق محفوظة لموقع جريدة صوت البلد 2017