facebook   twitter  youtube
الدكتور خالد غازي





أراء وكتاب
أمير تاج السر
د. لنا عبد الرحمن


الشاعِرُ وَالصوفِي

صالح لبريني (القدس العربي :) الإثنين, 06-نوفمبر-2017   02:11 صباحا

شكرا لك ..! لقد تم ارسال المقال بنجاح .
اغلاق

ارسال » الشاعِرُ وَالصوفِي
اسمك
بريدك الالكتروني
مرسل لبريد الكتروني
نص الرسالة


ارسال مقال ارسل | اضف تعليق|حفظ المقال حفظ|طباعة مقال طباعةاضف للمفضلة اضف المقال للمفضلة

إذا كان الصوفي يرى بعين الغوص في الذات، الذوق والكشف لتحقيق الحلول والفناء في الذات الإلهية، وتمزيق ظلماتها وستائرها، التي تخفي أسرارها وحقائق الوجود، فإن الشاعر تمكن من أن يرى العالم، من خلال، عين الذوق والإنصات إلى الكون في أسمى تجليات العزلة والاغتراب والوحدة والتيه في الدروب الوعرة في الذات والعالم.
وبالتالي فإن الشاعر شَبيهٌ بالمتصوفة الذين نذروا أرواح عقولهم وعيون قلوبهم للانهائي قصْد فتْح كوة في وجه السديم، والتوحد مع الألم الباطني الذي يهز الكوامن ويعري حقيقة المكابدة. ولعل رحلة في متون الإبداع الإنساني سنقف فيها على حقيقة العلاقة بين التصوف والشعر، ذلك أنهما يقترنان في ما بَيْنهما، ويتزاوجان تُخُومِيا، على اعتبار أن كل واحد منهما يستمد وجوده من الآخر في تفاعل حميمي وفعال، ما يعني أن التصوف قرين الشعر؛ والعكس صحيح. ولا غرابة في هذا مادام التصوف والشعر صنوين للمكابدة الذاتية والوجودية، وللاحتراق الأبدي وللقلق الذي يمكن عده ملح الإبداع.
والصوفي يحتاج إلى الفناء والتوحد مع الذات الإلهية، حين يشعر بالتآكل الروحي يهدده، كذلك الشاعر يحتاج إلى العبور نحو اللامحدود باحثا عن الكينونة؛ عندما يتهددها فيروس اللاقيم واللامعنى الخراب والموت، وهنا نقف عند حقيقة أن كلا منهما يسعى إلى الفناء في الذات الباطنية المتقدة بنيران الرغبة في مراودة الآتي، والنظر عبر الحلم والرؤية بالنسبة للشاعر؛ ومن خلال، الاستيهامات الْمَنَامِية أي الحُلمية؛ والرؤيا بالنسبة للصوفي، فالفناء يمثل لهما ذلك الخلاص الذي ينقذ الذات من السقوط في شرَك الزائل، واعتناق الأبدي، في سيرورة تفاعلية تمجد الصفاء الروحي والسمو القِيمِي وتعطل الحواس والمدرك الحسي للصوفي، والاكتمال الذاتي وتحقيق الكيان متخيلا للشاعر. Bas du formulaire
الشاعر يبني صداقة إبداعية مع الصوفي انطلاقا من كونهما ينهلان من المنبع نفسه، رغم اختلافهما في طريقة القول، منبع الذات والكون، الذات ككتاب منغلق على الدواخل المنسية في قارة الجسد، التي يكتشفها الشاعر عبر لغة الشعور والحس العميق، ومجرة من المشاعر الفياضة الملتبسة بألم المعاناة، وحرقة الاغتراب، والكون باعتباره السؤال اللغز، الذي يحفزه على الرحيل في مساربه ومسالكه المتشعبة والمُوغلة في الأسرار.
في حين نجد الصوفي يسلك مسلك المحبة والعشق والذوق لتعرية حجب الذات والكون وتمزيقها حتى تدرك ماهية الحلول والفناء مع الذات كعالم مبهم وبالتركيز على الباطن، والكون كوسيلة من وسائل البحث عن الذات الإلهية، إن سيرة الصبابة عنوان الصوفي المتغلغل في العالم بروح القلب ويقظة الجوارح الباطنية، هذه السيرة تقوده إلى جغرافيات في الذات والوجود في حكم الالتباس والغموض، في حين أن الشاعر تتجلى سيرته في القبض على جمر الأسئلة المقلقة، والنابضة بالاحتراق الْجَوانِي المشتعل بنيران حب الآتي بلغة شعرية مضاءة بمكابدة التجربة.
ولا غرو في ذلك مادامت الكتابة تصور نابع من أرض الذات ومتخيل الواقع، تماشيا مع الصيرورة المجتمعية والفكرية والإبداعية، فإذا كان الشاعر القديم ـ مثلا ـ حين يقف على الطلل فهو يسعى إلى بناء ما تهدم واقعيا بالشعر، من خلال عملية الاسترجاع للذاكرة المشتركة بينه وبين من تركوا الرسْم يقول تاريخ المكان بوساطة الذكريات والأنفاس والهمهمات والعواطف الفياضة، في حين نجد الصوفي لا يقف على الطلل أو المقدمة الغزلية أو الخمرية، وإنما يلوذ إلى السماء طالبا الانغماس الكلي في الذات الإلهية ونسيان الأرض ـ الفضاء الدنَسِي ـ إن صح القول، لتحقيق المبتغى الكينوناتي المفتوح على احتمالات ذاتية ووجودية.
الشاعر في القصيدة يبحث عن ذاته، هذه الذات المغلولة بالنفي والاغتراب، بالسأم والعدمية المنبثقة من شعوره باللامعنى من حياة تفتقد فيها قيمة العقل، وعقلانية القيم، بل هو على الدوام يحفر مجراه عكس الآخر، ضد التقليدانية وكل ما هو مقدس في الذهنية المتخلفة، ضد عبودية أوثان الماضي، ضد الليل اللابس عقلية القطيع.
الشاعر يبحث عن الشمس المشرقة من الباطن، والمختفية وراء سحب الوعي الجمعي، هو خالق وعيه الفردي بذاته التواقة للحرية، فهو شبيه بالطير الذي يأبى الأقفاص ويعشق سماء يتنسم فيها هواء وجوده. الشاعر نرجسي إلى درجة حُلولية مع الذات، لكونه سادنها وحارسها والعارف بأحوالها، والساعي إلى اكتشاف أسرارها، لذلك نجده بعيدا عن جلبة الجماعة، وتفاهاتها، يختار المنافي للإقامة، والترحال في مسارب الوجود عله يظفر بنفسه، لكن في المقابل يروم الصوفي إلى الانشطار في عوالم الوجود، طالبا راغبا في معانقة الكوامن المنسية من العالم، ومنقبا عن المنفلت منه عله يظفر ولو بالنزْر القليل من تلك الشعل البعيدة المضيئة في المناطق المعتمة من الروح والبوح، فالصوفي يبوح بلغة الإشارات وينوح بقلب العبارات إلى عبور صوب المجاهل والمخفي منها، فالرغبة في الحلول هي المعادل الموضوعي في كتابات الصوفي الشعرية الباذخة برؤى صادحة باللامحدود في الوجود، وفي هذا السياق يحضرني للحلاج وهو يرتضي طريق الانصهار والذوبان في الذات الإلهية، فهوى الصوفي هوى حلولي باطني والرؤية بصيرة أو بعين الحدس. حين يقارن ذاته بذات الإله، وفي هذا انحراف عن الزمن الفيزيولوني إلى الزمن الأسطوري المنبثق من رحِم اللانهائي يقول الحلاج:
أَنَا مَنْ أَهْوَى وَمَنْ أَهْوَى أَنَا نَحْنُ رُوحَانِ حُلِلْنَا بَدَنَا
نَحْنُ مُذْ كُنا عَلَى عَهْدِ الْهَوَى تُضْرَبُ الأَمْثَالُ لِلناسِ بِنَا
فَإِذَا أَبْصَرْتَنِي أَبْصَـرْتَــهُ وَإِذَا أَبْصَرْتَهُ أَبـْصَـــرْتَـنَـا
أَيهَا السائِلُ عَــنْ قَضِيتِنَا لَوْ تَــرَانَا لَمْ تُفَرقْ بَيْنـَنَــا
رُوحُهُ رُوحِي وَرُوحِي لرُوحُهُ مَنْ رَأَى رُوحَيْنِ حَلتْ بَدَنَا
إن لغة الصوفي لغة إشارية إيحائية تتحول إلى علامات تحتاج إلى تقشير دلالتها السطحية للغوص في المعاني العميقة المتوارية بين طيات المقول، هذه الرمزية، عند الصوفي، تكشف عن العلاقة التفاعلية مع مكونات الوجود، ولكونها طريقة لإدراك ما لا يستطاع التعبير عنه ـ بتعبير يونغ ـ كما أنها وسيلة تبرز ذاك التلاحم الروحي بين الذات الإنسانية والذات الإلهية في تواشج حلولي تقف الذات في حالة دهشة لا توصف، وهنا مكمن جمالية النص الصوفي المباغت والمستفز للذائقة التي لا ترى في الكتابة الإبداعية إلا ترجيعا لصوت الأسلاف، ومن تم يمكننا القول إن اللغة الصوفية لغة إيمائية خارجة عن طوق اللغة المتواضع عليها أو المتداولة، وفي هذا انتصار للخيال الجانح صوب مساحات خضراء ممتدة في المجهول واللانهائي. فسِمَة المفارقة خصيصة من خصائص إبداعية النص الصوفي، لكونها تسلك، في التعبير عن الحالة، مسالك السالكين والعارفين بالباطن والمهملين الظاهر؛ وهنا مكمن الوصل الذي يسعى إليه الصوفي، فالمحبة وصل، والمكابدة وصل، والوجدانية وصل، والحق وصل حيث تتلاشى مكونات الخالق وتينع الذات مخضبة بحناء التماهي، ومعطرة بأنفاس الخالق.
في حين نجد الشاعر يسلك مسلك الذاتية كتجل من تجليات التعبير عن الرغبة في البحث عن الكينونة في واقع متحول ومتقلب المناخات، مما يفرض على الذات أن تفتح منافذ لتضيء هذا الملتبس والمُعْتم في الذات والواقع بلغة تركن إلى الترميز والتشفير، وتستعيد ذاكرة الذات والعالم في صور تشكيلية تتميز بجماليات فنية مُبْهِرَة ومستفزة، وهذا ما يجعل الشاعر دائما في حضرة موشومة بالانفعالية، في الوقت الذي نجد الصوفي يوجد في حضرة تفاعلية، وهنا مكمن الاختلاف، فالصوفي ينسى الذات لتندغم مع الآخر الإلهي، في حين أن هاجس الشاعر يتمثل في التعبير عن الذات، كما نجد الصوفي يخصب الوجود بسؤال الفيض، والشاعر يشحن اللغة بطاقة المشاعر والعواطف.
لا غرو في أن العلاقة التي تربط الصوفي والشاعر علاقة صداقة حمِيمية تتواشج في المكابدات والوجدان، غير أن مكابدة الصوفي مكابدة وجودية حُلولية، في الوقت الذي يصر فيه الشاعر على أن تكون مكابداته ووجدانه ملتصقين بالذات كحاضن للوجود، وعندما تُشْحن اللغة بحرارة التجربة عند الشاعر حيث الغنائية هوية الذات، وبفاعلية وتفاعلية التجربة عند الصوفي حيث التجاذب بين الحق والأنا دليل الحلولية. من هذا المَيْسَم ما يجعلنا نؤكد على تلك الرابطة الوشيجة بين الشعر والصوفية كتمثل للذات والوجود. هي وشيجة منبعها هذا الحب المنبثق من عذابات ومحنة كل منهما في تجسير الهوة وردمها بين الذوات والعوالم المترامية الأطراف في المجهول، إنها سيرة الإبداع الخالق والخارق، الإبداع المترحل في فجوات الوجود، والناسج آصرة الكائن بالكون نسْجاً العمق الداخلي جوهره، والظاهر اللاحب مَنْبِتُهُ.
....
٭ شاعر من المغرب

   

التعليقات






شكرا لك ..! سوف يتم عرض التعليق بعد التدقيق .



   

الاستشراق تزوير .. الأصول الثقافية في الشرق الاستشراق تزوير .. الأصول الثقافية في الشرق

قال كافافيس شاعر الإسكندرية: عندما تشرع عائداً الى ايثاكي لا تتعجل ... تمنَّ أن تكون الرحلة طويلة ... مليئة بالمغامرات، غنية بالمعلومات ... فمثل التفاصيل

الشعر اليوناني .. محاولات للتحرر من الرّمز التاريخي الشعر اليوناني .. محاولات للتحرر من الرّمز التاريخي

الدلالات الوجدانية في الشعر اليوناني الحديث دلالات متنوعة وعديدة وهو الشعر الذي يمكن وصفه بأنه الشعر الذي احتفظ ببيئته حيث عبر عن موروثه ووقائعه التفاصيل

حين تقرأ أميركا الشعر العربي المترجم حين تقرأ أميركا الشعر العربي المترجم

لم أكنْ أتخيل أنْ تحتفيَ دار للنشْر بمؤلف، كما فعلت دار النشْر الأميركية BOA، التي أصدرتْ أخيراً ديواني «منارة للغريق» باللغتيْن العربية والإنكليزية. التفاصيل

الشاعِرُ وَالصوفِي الشاعِرُ وَالصوفِي

إذا كان الصوفي يرى بعين الغوص في الذات، الذوق والكشف لتحقيق الحلول والفناء في الذات الإلهية، وتمزيق ظلماتها وستائرها، التي تخفي أسرارها وحقائق التفاصيل

الحداثة الشعرية تستوعب الأسطورة والرمز بشكل جديد الحداثة الشعرية تستوعب الأسطورة والرمز بشكل جديد

قهرت الحداثة الشعرية ما كان مكتنزنا في النسيج الشعري القديم وفي المقابل فقد اكتشفت حدود الفهم والمقبولية في اللغة إن بقيت على حالها قديما أو ما تم من التفاصيل

ذكرى ذكرى "هاري بوتر"

عشرون عاما مرت منذ أصدرت الكاتبة البريطانية ك. ج. رولينغ كتابها الأول من سلسلة «هاري بوتر»، التي ستغدو شهيرة بعد ذلك، وتباع نسخها الورقية وغير التفاصيل

منابع الحكاية منابع الحكاية

منذ فترة أرسل لي الزميل الروائي حامد الناظر صاحب رواية «نبوءة السقا» صورة من مكان ما في مدينة طوكر، أقصى شرق السودان قريبا من الحدود الإريترية، التفاصيل




كائنات لنا عبد الرحمن في «صندوق كرتوني يشبه الحياة» كائنات لنا عبد الرحمن في «صندوق كرتوني
على رغم أن شخصيات قصص الكاتبة اللبنانية لنا عبدالرحمن في مجموعتها «صندوق كرتوني يشبه الحياة» (الهيئة المصرية...
شعبان يوسف : كتاب كثيرون دهستهم عجلات التهميش والنسيان شعبان يوسف : كتاب كثيرون دهستهم عجلات
كأننا نكأنا جرحا غائرا حينما سألنا الشاعر والناقد شعبان يوسف عن سبب تأخر ديوانه الأول في الصدور لخمسة عشر...
الاستشراق تزوير .. الأصول الثقافية في الشرق الاستشراق تزوير .. الأصول الثقافية في
قال كافافيس شاعر الإسكندرية: عندما تشرع عائداً الى ايثاكي لا تتعجل ... تمنَّ أن تكون الرحلة طويلة...
أسعد عرابي في معرض بيروتي أسعد عرابي في معرض بيروتي
انطلق معرضٌ استعاديٌّ للرسام والناقد أسعد عرابي بعنوان «إطفاء الجمر في الصقيع» (غاليري أيّام - بيروت)، على أن...
«النشوة المادية» كتاب لوكليزيو في ترجمة عربية «النشوة المادية» كتاب لوكليزيو في ترجمة
ترجمة عربية لكتاب «النشوة المادية» للكاتب الفرنسي جان ماري غوستاف لوكليزيو الفائز بجائزة نوبل في الآداب عام...

هل تتوقع ان تستجيب قطر لمطالب الدول المقاطعة لها؟

نعم
لا
ربما






جريدة صوت البلد

© جميع الحقوق محفوظة لموقع جريدة صوت البلد 2017