facebook   twitter  youtube
الدكتور خالد غازي





أراء وكتاب
أمير تاج السر
د. لنا عبد الرحمن


كامل الشناوي ونقابة حكماء خلع الأسنان

مصطفى نصر () الثلاثاء, 03-اكتوبر-2017   03:10 صباحا

شكرا لك ..! لقد تم ارسال المقال بنجاح .
اغلاق

ارسال » كامل الشناوي ونقابة حكماء خلع الأسنان
اسمك
بريدك الالكتروني
مرسل لبريد الكتروني
نص الرسالة


ارسال مقال ارسل | اضف تعليق|حفظ المقال حفظ|طباعة مقال طباعةاضف للمفضلة اضف المقال للمفضلة

الحي كله يعرف خلف الله – حلاق الصحة – دكانه في السوق. بجوار دكان بتلو العجلاتي وصالح الفكهاني. نعرف ونحن صغار إن خلف الله يختن أطفال الحي بجانب ممارسة الحلاقة – وعندما ذهبت لأحلق عنده – سألني وهو عابس وفي غاية الجدية: - ابن مين؟
كان يحني رقبتي ليزيل الشعر الأكث من الخلف فأنا لا أطيق الحلاقين ولا دكاكينهم، وأحلق بالعافية – بعد إصرار جدتي وجدي ووالدي.
ثم قال خلف الله في جدية أكثر:- اتطاهرت والا لسه؟
فالختان عنده أهم من الحلاقة – فسوف يحصل فيه على مبلغ كبير- خاصة النقطة التي ستنزل عليه - وهو يعمل - من الأقارب والجيران.
قلت: أيوه اتطاهرت.
فأحس بالإحباط – وأنهى الحلاقة بسرعة، وأخذ القرش الأحمر المشرشر، وضعه في درج الكومدينو دون أن ينظر إليه.
لكن جدي لم يكن يذهب بنا لخلف الله إذا أحسسنا بآلام في أسنانا – كان يأخذنا حتى شارع المهدي العباسي عند حلاق صحة آخر، الظاهر إنه حاذق في علاج الأسنان.
حلاقين الصحة كانوا منتشرين في مصر كلها، خاصة في القرى والأحياء الشعبية. يعالجون الإسهال والعيون والجروح والأسنان، وبسببهم اشتهرت مصر بإنها أكثر دولة يموت فيها أطفال. وقد ذكرت باحثة إنجليزية جاءت إلى مصر قبل ثورة يوليو 52: إن 50% من أطفال مصر يموتون قبل سن الخامسة لأسباب من أهمها: عجز الرعاية الصحية، واستخدام وسائل غريبة في محاولة إنقاذهم من الموت حين يصابون بالأمراض الخطيرة، مثل استخدام الأحجبة والتمائم، والاعتقاد بالعين الشريرة التي تحسد الطفل فيبخرونه لحرق عين الحسود على ورقة بدبوس، أو إبرة تم إحراقها في المبخرة إلى غير ذلك من الخرافات التي كانت سائدة في المجتمع المصري.
ومعظم سيدات أسرتنا ماتت أطفالهن في طفولتهم - والأطفال الذين ماتوا منهم أكثر بكثير من الأحياء الذين نجوا وفلتوا من علاج حلاقين الصحة – فجدتي كان اسمها أم الشحات – وأنا لم أر الشحات هذا، فقد مات صغيرا – وظللت أنادي زوجة عمي، بـ "أم إبراهيم" دون أن أرى إبراهيم هذا الذي مات قبل أن أولد.
واشتهرت مصر أيضا بإنها بلد العميان والعور – ونعرف الكثير ممن فسدت عيونهم بفضل هؤلاء، منهم طه حسين عميد الأدب العربي، وسيد مكاوي الموسيقار الكبير – وكي لا أظلم أحدا – فبعض حلاقي الصحة أجادوا الصنعة وأثروا في الأحياء التي عاشوا فيها ومنهم الحاج "محمد سليط" حلاق صحة حي بحري الذي اكتسب شهرة ووقارا في منطقته.
وكان زميلي في العمل يحدثني عنه كثيرا – وقد كتبت عنه في روايتي اسكندرية 67 – وكتب عنه محمد جبريل في روايته "أهل البحر" ومن شدة حبه له – انتقل من القاهرة للإسكندرية خصيصا – عندما علم بوفاته – لكي يحضر جنازته.
وكان يمارس مهنة علاج الأسنان كل من هب ودب. ومن الأمور الطبيعية والعادية أن تجد مصنعا لصناعة الأسنان في الريف والمدن. وحكى لي الراحل صبري أبوعلم عن صانع أسنان في بلده طهطا – كان حاذقا – وعيبه إنه يسكر كثيرا – وعندما اقترب موعد حفل زفاف ابنته، طلبت منه زوجته وأكبر ابنائه أن يمتنع عن شرب الخمر ليلتها، لكي تعدي الليلة على خير.
لكنه لم يستجب، وشرب كثيرا ابتهاجا بالمناسبة السعيدة – فأثر السُكر عليه – حتى امتدت يده لجسد أخت عريس ابنته – فثار أهلها، وكادوا يضربونه، فاضطر ابنه الشاب أن يصفعه أمام الجميع – وظل الابن يتعذب، ويردد:
-    مكنتش أقصد – كنت عايز أنقذ حفل أختي.
وظل الابن ينتظر عقاب ربنا في حياته، قبل موته لأنه فعل في أبيه هذا. ووالده - حكيم الأسنان - يخفف عنه، قائلا:
-    أنا مسامحك، ومقدر ظروفك.
لكن الابن لم يستطع النسيان – ولم يسامح نفسه، حتى مات كمدا بعد فترة قصيرة جدا.
وكان حكماء خلع الأسنان يتنقلون من مكان إلى مكان ومعهم مساعدوهم الذين يحملون المقاعد التي سيجلس الزبائن عليها وقت خلع أسنانهم.
ويتم الخلع باستخدام قطعة من الدوبارة مقابل قرش صاغ واحد. ويقفون في الموالد – ومازلت أذكر وجودهم أمام كوبري راغب باشا القريب من بيتي وقت فتحه لمرور المراكب الشراعية – وتجمهر الناس أمامه وخلفه، انتظارا لغلقه ثانية ليمروا فوق أرضه.
ويستعين حكماء الأسنان بمواد كاوية تخلع الضرس دون جهد منهم.
طبعا هذه الطرق القبيحة أدت إلى مرض الكثير بأمراض تؤدي للموت. ففي وقتنا هذا - رغم التطور والشهادات العلمية والعلم الحديث - علاج الأسنان هو من أهم أسباب الإصابة بأمراض الكبد. فشاهدت الكثير ممن أصيبوا بفيرس c يرجعون سبب إصابتهم إما للحلاق أو طبيب الأسنان. فأحست الحكومة المصرية وقتها بالكارثة التي يحدثها حكماء الأسنان الذين يعالجون الناس بهذه الطريقة الهمجية.
وفي عام 1930 منعت الحكومة ممارسة هذه المهنة إلا بتصريح من وزارة الصحة. وقررت أن تمتحنهم، فتقدم الكثير منهم للامتحان، فمن وجدته اللجنة صالحا، أعطته شهادة يعلقها في مكان ممارسة عمله ومنحته لقب "حكيم أسنان". والباقي خرجوا من الامتحان راسبين.
وأصبحت كارثة للذين رسبوا في هذا الامتحان. فهذه مهنتهم الوحيدة التي يرتزقون بها وينفقون منها على بيوتهم وأولادهم، وبعضهم ورث هذه المهنة عن والده أو جده.
واحتج الراسبون، وجلسوا – بالصدفة – في قهوة الفيشاوي التي يجلس الشاعر كامل الشناوي فيها، وكان بينهم رجل يجيد الخطابة، فوقف وخطب فيهم مطالبا زملاءه بألا يسكتوا، ولا بد أن يطالبوا بحقوقهم السليبة.
فاقترب كامل الشناوي منهم وسألهم عن حالهم، فحكوا له ما حدث فقال:
-    الحل هو تشكيل نقابة لكم. باسم "نقابة حكماء الأسنان الراسبين"، وتختاروا من بينكم نقيبا كسائر النقابات في مصر. فهذا الموقف الرسمي هو الذي يمكنكم من العودة لعملكم.
وبالفعل انتخبوا زميلهم الذي يجيد الخطابة والحديث. وأشار كامل الشناوي عليهم بشراء بدلة ردنجوت وقميصا وبابيون وحذاء أسود وطربوشا، كأي نقيب نقابة أخرى. فهو معرض لمقابلة كبار المسئولين لعرض مظلمتهم. فالموضوع ليس سهلا، إنه متعلق بأكل العيش.
هذه واحدة من المواقف الكثيرة التي كان كامل الشناوي يقفها، ومن المقالب التي يحدثها في الناس، ومعظم مقالبه للخير، فكان يقلد صوت صديق ليصالحه على صديق آخر.

   

التعليقات






شكرا لك ..! سوف يتم عرض التعليق بعد التدقيق .



   

لقاء بصوت أم كلثوم في باريس لقاء بصوت أم كلثوم في باريس

عبثا أزمع الفــراق وآلى ** كلما جن الليل حن وعــادا ذكريات حاصرته فلـولا ** وشريط لأم كلثـوم زادا كان لقائي بصوت السيدة أم كلثوم في باريس في صيف التفاصيل

مي زيادة وصالونها الأدبي مي زيادة وصالونها الأدبي

وجدت دعوة الإمام محمد عبده وتلميذه قاسم أمين وغيرهما من المصلحين آذانا صاغية في المجتمع العربي، وهو يدب نحو الرقي ويسعى نحو النهضة في نهاية القرن التفاصيل

الجوائز العربية وجبر الخواطر الجوائز العربية وجبر الخواطر

قال كاتب عربي صديق في تعليقه على قائمة إحدى الجوائز الأدبية العربية الهامة، إن هناك كتابا معينين يدخلون تلك القوائم ليس بسبب إبداعهم المستحق، ولكن التفاصيل

لا أحد يُراسل الكولونيل لا أحد يُراسل الكولونيل

ما بين نزع الكولونيل غطاء علبة البُن والتي لم يبق فيها سوى قدر ملعقة صغيرة، وبين اللحظة التي تأمل ملياً زوجته بعد أن جذبته من عنق قميصه وهزته بقوة التفاصيل

ما يريده الأدباء ما يريده الأدباء

منذ فترة قليلة، رحل الكاتب المصري صبري موسى، صاحب رواية «فساد الأمكنة»، الممتعة، الغريبة في أحداثها، التي تدور في بيئة لم تكن مكتشفة، ولا تزال غامضة التفاصيل

المثقف وجاذبية الديكتاتور المثقف وجاذبية الديكتاتور

المثقف والتطلع السياسي، والديكتاتور، والأخلاق، وتطابق الفكرة والعمل... الخ، تدور في محور واحد. تشغل كُتاب الغرب، ويُفترض أن تشغل كُتابنا أيضاً التفاصيل

بحثا عن شرق آخر بحثا عن شرق آخر

أي شرق نريد؟ الشرق المصنّع الذي ابتدعته اتفاقيات سايكس بيكو وكل ما تلاها لتمزيق ما بقي واقفا بعد الانهيارات العثمانية والهزائم المتتالية، أم شرقا آخر التفاصيل




اليوم.. انتهاء قبول طلبات تشغيل 850 عاملا اليوم.. انتهاء قبول طلبات تشغيل 850
تنتهي وزارة القوى العاملة، اليوم، الخميس، من قبول طلبات تشغيل 850 عاملا إنتاج بإحدى الشركات بمحافظة بورسعيد،...
افتتاح معرض فني بدار الأوبرا افتتاح معرض فني بدار الأوبرا
يفتتح الدكتور مجدي صابر رئيس دار الأوبرا المصرية والدكتورة هالة السعيد، وزيرة التخطيط والمتابعة والإصلاح...
جميلة بوحيرد من أسوان جميلة بوحيرد من أسوان
أكدت المناضلة الجزائرية جميلة بوحيرد، إن الشعب المصرى والجزائري نسيج واحد منذ عهد الزعيم الراحل جمال عبد...
 نصف مليون زائر لمعرض الدار البيضاء الدولي للكتاب نصف مليون زائر لمعرض الدار البيضاء
طيلة أيامه واصل المعرض الدولي للنشر والكتاب بالدار البيضاء انفتاحه على تجارب روائية وقصصية من العالم العربي...
موسم «الديماغوجيا» في الجزائر موسم «الديماغوجيا» في الجزائر
في الجزائر، الجميع يتكلم في الوقت نفسه، الأصوات تتداخل في ما بينها، والصراخ يطغى على الحوار الهادئ. كل فكرة...

هل تتوقع ان تستجيب قطر لمطالب الدول المقاطعة لها؟

نعم
لا
ربما






جريدة صوت البلد

© جميع الحقوق محفوظة لموقع جريدة صوت البلد 2018