facebook   twitter  youtube
الدكتور خالد غازي





أراء وكتاب
أمير تاج السر
د. لنا عبد الرحمن


إيقونية الحب في الأدب

د. توفيق قريرة (القدس العربي :) الخميس, 21-سبتمبر-2017   08:09 صباحا

شكرا لك ..! لقد تم ارسال المقال بنجاح .
اغلاق

ارسال » إيقونية الحب في الأدب
اسمك
بريدك الالكتروني
مرسل لبريد الكتروني
نص الرسالة


ارسال مقال ارسل | اضف تعليق|حفظ المقال حفظ|طباعة مقال طباعةاضف للمفضلة اضف المقال للمفضلة

مازلنا نتعامل مع دراسة الأدب بأفكار قديمة ليس العيب فيها أنها قديمة، بل إنها مُسْبَقة، وكثير من الخطأ والتشويه يعشش كالغربان في أفكارنا المسبقة. فمن أفكارنا المتداولة في مدارسنا وجامعاتنا ما يتعلق بالحب والغزل في الأشعار القديمة، فيقال مثلا إن الغزل غَزَلان إباحي وعُذْري وإن العُذري «عفيف وطاهر والإباحي متهتك شبَقي، وإن العاشق في ذينك الغزلين محتكر لجمال حبيبته يذود عنه للشرف، وإن شرف المرأة متغلغل في الفن، وغير ذلك من الأفكار التي ملأت أذهاننا قبل أن تملأ كتبنا.
في هذه المقالة القصيرة سنرد على هذا الزعم متسلحين ببعض الأفكار من علم العلامات أو السيميولوجيا، خصوصا تلك الأفكار المتعلقة بالصورة بما هي علامة إيقونية. من المعلوم أن الصورة علامة إيقونية أيْ تكون فيها العلاقة بين شكل العلامة ومتصورها علاقة شبه أو تجانس، أي أنها تُحيل إلى العالم أو إلى إدراكنا للعالم إحالة تُستخلص من إدراك الشبه بين الواقع والصورة التي تمثله. فصُورتِي الفوتوغرافية مثلا هي تمثيل مطابق لوجهي الواقعي، لذلك تكون صورتي علامة إيقونية. ولكن الإيقونية يمكن أن تكون صفة لكل تمثيل للكون مماثل له أو مشابه. وتطبق سيميائية الصورة اليوم في دراسة السينما والإشهار والرسم التشكيلي وكل الفنون التي تسمى فنونا مرئية أو «فنون البلاستيك».
الإيقونية هي سمة عامة يمكن أن تدرس في الخطاب اللغوي، وفي الخطاب السينمائي بأن نتابع فيه علاقة التماثل بين ما يوجد في الخطاب وما يوجد في الكون. ففي قول أحمد شوقي: (نظرة فابتسامة فسلام * فكلام فموعد فلقاء) محافظة على تسلسل منطقي لأحداث التعارف بين عاشقين؛ فشروط الإيقونية محفوظة فيه، لأنه يرتب ترتيبا واقعيا سلسلة من الأحداث السابقة للقاء الغرامي. يمكن طبعا في الكلام أن نبلبل الترتيب كأن نقول:(لقاؤها كان من نظرة ساحرة)، وعندئذ يُذكر اللقاء أولا في الخطاب ويحدث ثانيا في الكون، فالخطاب يكون غير إيقوني.
يمكن أنْ ندرس الإيقونية في كل صورة من صور الأدب، سواء أكانت صورة شعرية فيها محسنات، أم كانت صورة مجردة من تلكم المحسنات. وهذا يعني أن نتعامل مع النص الشعري كمَشَاهِدَ مرئيةٍ بوسائط الكلام فتعامل تلك الصور بمقاربة علامية إيقونية، رغم كونها قدت بعلامات لغوية فيستحيل الخطاب اللغوي عندئذ خطابا لغويا سينمائيا.
يُكتب الخطاب السينمائي بلغة خاصة هي لغة السينما على حد تعبير السيميائي الفرنسي « ماتز» أحد أهم أعلام سيميولوجيا السينما. ويرى أن الإيقونية ههنا لا تعني فقط أن حركة الفِيلم تشبه الحركة في الحياة الواقعية، بل إن الفيلم أثر اصطناعي مُنتج في سياق اجتماعي ثقافي مخصوص يحمل الفيلم قواعده التمثيلية؛ وأن تلقيه يستجيب للعادات التي يحملها من يَتلقى الفيلم في طرق بناء الأشكال والرسوم وهذا ما يعتبره أمبرتو ايكو الطبيعة التواضعية لا الإيقونية للصورة. ذلك أن الثقافة التي أُنتجت فيها الصورة لها قواعدها التي تمارس بها تأثيرا على إنتاج الصورة نفسها. وتحديد المواضعات يتطلب منا أنْ نسلم بأن الإيقونية في مستويَيْن: إيقونية من درجة أولى، هي تلك التي يمكن أن نرى بها علاقات التشابه من غير مفاتيح أو مواضعة أو سنن، وهذا كما في ملاحظة الشبه بين وجهي في الواقع ووجهي في الصورة؛ والمستوى الثاني من الإيقونية هو ذلك الذي نكتشف فيه علاقة الشبه بالاعتماد على معطيات ثقافية معينة. يمكن أن ندخل ونحن متسلحون بهذه الملاحظات المنهجية إلى بيت بسيط لجميل بن معمر العذري وفيه (خليلي عُوجا اليومَ حتى تُسَلما * على عَذْبَة الأنياب طيبة النشْر). ما يعنينا من هذا البيت عجزه الذي فيه صورة (لا يحفل بها النقد التقليدي كثيرا لأنها غير شعرية أو فنية) عن الحبيبة لا يمكن ترجمتها إلى صورة سينمائية حتى إنْ كانت ثلاثية الأبْعاد. فرادتها أنها تجمع بين وسائل إدراكية متعددة، ليس البصر فيها إلا مفتاحًا ويكون فيها الشم والذوق الأداتين الإدراكيتين المكملتين لإدراك الصورة. وإدراك الصورة يكون بقواعد إنتاجها الثقافية: رسولان ذكران هما خليلان في موقف تبليغ سلام من عاشق إلى عشيقة، لها مواصفات جمالية ضبطها المصور /الشاعر. المشهد الجمالي مُشاع كأي مشهد تصويري علني، مشاع لا بيننا نحن القراء، بل بين المخاطِب وخليليْه الموهومين .هو يرسم لهما صورة لا تقرب الوجه فقط، بل تجعله موضوع رغبة؛ هو يصفها لهما بما يُغريهما بها بصفات لا يتم بها الإدراك إلا بحواس «محرمة» واقعا هي الشم والذوق من قريب. فالعذوبة ذوقية لساني الآلة وتضوع الطيب أنفي الأداة وتفاعلهما لن يترك الرسولين مجرد رسولين، بل سيغرقهما في المتعة ويقاسمهما المرسِل طوعا سرها.
هل ما زلنا بعد هذا نتشبث باعتباره غزلا عذريا عفيفا، ونحن نتدرج بالصورة من الإباحي إلى الاستباحي؟ لا يمكن أن نجد العذرية إلا إذا اعتبرنا الرسوليْن ملائكييْن ينظران إلى ناب عذب ويتضوعان طيبا ويبعدان عنهما أي انفعال حسي بشري. إن كشف الوجه وإشاعة الجمال وشبه الأبيقورية هي التي كانت وراء إنتاج الصورة. ومن سوء الحظ أننا ما زلنا نقرأ هذه النصوص ونحن نتواضع، رغم ذلك على أنها موحية بالأنانية والغيرة والاستحواذ على كامل الجمال للذات هي قراءة صحيحة قد تعكس نفسية قارئها لا إدراك من أنتجها. لن نغادر القصيدة «العذرية» نفسها قبل أن نبين كيف أن الصورة السينمائية يمكن أن تساعد على تفكيك شيفرة الكلام وشيفرات أخرى لها صلة بالتأويل. يقول جميل ( وبُوحَا بذكري عند بَثْنَةَ وانْظُرَا * أترتاح يوما أم تهش إلى ذكري) يعمل الكلام ههنا مع الصورة، ليس في الأمر فرصة فقط للتمعن في الوجه الصبوح والتمتع به كأنه ملك جمالي عام، بل هي أيْضا فرصة لقراءة تعابير الوجه فيصبح الوجْه ملتقى علامات: علامات أولية عن الجمال وعندئذ يكون الوجه دالا بالنصية بالمعنى الجاحظي للعبارة، أي أنه مؤشر إيقوني له درجة أولى من القراءة: المرأة جميلة وفاتنة، وأنه علامة إيقونية من درجة ثانية يصدر علامات تقرأ بمواضعات العصر: علامات ثانية دالة بالتقاسيم فللراحة علامات وللقلق أخرى وللهش والبشر علامات وللانزعاج أخرى. والعاشق لا يفترض الإمكان ونقيضه (الراحة والانزعاج) بل الإمكان ورديفه (الراحة والهش). ومرة أخرى يكون الوجه المكشوف لا مركز جمال فقط، بل مستودع تأمل. المُشاهِد الرسول لا يغض بصره حياء، بل مقتضى رسالته أن يسلم ويشم ويذوق ويتأمل من قريب في مركز للجمال هو الوجه. على الوجه تركز عدسة الشاعر ليَرى ويُري ليستمتع ويُمتع وتظل المرأة آلهة للجمال تعرضه وترضي به رضي عنها الشاعر ورضيت عنه وعن الكون.
هكذا فإن الإيقونية أرشدتنا إلى مسالك أخرى من مسالك قراءة الحب، منطلقه المشهد الذي اخترنا منه وجه امرأة معشوقة مباحا سافرا مكشوفا لمن يتأمله ويلتذ به وليس في الأمر لا عفة ولا إباحية، كل الأمر أن «أول وجه كان في الكون هو وجه امرأة» كما قال الكاتب الفرنسي فابريس كولان.
....
٭ أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

   

التعليقات






شكرا لك ..! سوف يتم عرض التعليق بعد التدقيق .



   

تطويق الزمن تطويق الزمن

تخترق كل الجدران الصباحية عبارة يختارها ابني من أحد عوالمه فيسألني سؤالاً وجودياً محيراً مثل: «هل السمكة نيني تعرف الديناصور؟»، ويكون لزاماً عليّ التفاصيل

من الصدف العجيبة من الصدف العجيبة

هناك أحداث، تحدث فجأة دون أن نخطط لها، ودون أن نفكر فيها من قبل، وبحسابات الدنيا، لا نجد لها منطقا أو قانونا، فحكى لي صديق بأن أسرته كانت تعاني من التفاصيل

الكاتب المشهور قبل الكاتب الجيد الكاتب المشهور قبل الكاتب الجيد

يقول صالح جودت في مقالة له بمجلة الزهور (ملحق مجلة الهلال) العدد السادس يونيو/حزيران 1974: من الحكايات المأثورة عن الكاتب الإيرلندي العظيم جورج التفاصيل

أعراض الأمية الثقافية أعراض الأمية الثقافية

تتجلى أعراض الأمية الثقافية في العديد من المشاركات والشواهد، وبخاصة المشاركات الشبابية في البرامج الحوارية وفي الأحاديث اليومية وفيـما يصل إلينا في التفاصيل

حجم الروايات حجم الروايات

أقرأ هذه الأيام رواية اسمها: ألعاب العمر المتقدم، للإسباني: لويس بانديرو، وهي رواية صدرت بلغتها الأصلية، أواخر تسعينيات القرن الماضي، لكنها نقلت التفاصيل

كامل الشناوي ونقابة حكماء خلع الأسنان كامل الشناوي ونقابة حكماء خلع الأسنان

الحي كله يعرف خلف الله – حلاق الصحة – دكانه في السوق. بجوار دكان بتلو العجلاتي وصالح الفكهاني. نعرف ونحن صغار إن خلف الله يختن أطفال الحي بجانب التفاصيل

صفقة المصالحة بين حماس وفتح..لماذا؟! صفقة المصالحة بين حماس وفتح..لماذا؟!

عشرة أعوام مُرّة ثقيلة مرّت على هيمنة حماس على قطاع غزة في العام 2007 منتصف حزيران،تكرّس خلالها الانقسام بين الفصيلين اللذين قادا سلطتي رام الله التفاصيل




أفلام عربية وأجنبية تتنافس بمسابقة مهرجان دبي السينمائي أفلام عربية وأجنبية تتنافس بمسابقة
كشفت إدارة مهرجان دبي السينمائي الدولي عن المجموعة الأولى من الأفلام المشاركة في مسابقته "المهر الطويل" والتي...
حين يقع الكاتب في فخ نصه فيعيد إنتاجه حين يقع الكاتب في فخ نصه فيعيد إنتاجه
صدرت أخيراً عن الهيئة المصرية العامة للكتاب طبعة جديدة من رواية الكاتب المصري إبراهيم فرغلي «كهف الفراشات»،...
المسرحي مهدي سلمان: ما هي القصيدة في عصر الوسائط الحديثة ؟ المسرحي مهدي سلمان: ما هي القصيدة في
أصدر الشاعر والمسرحي البحريني مهدي سلمان مؤخرا عن دار مسعى مجموعة “موت نائم، قصيدة مستيقظة” متزامنة مع صدور...
السيرة الذاتية في الأدب العربي : نصوص مبتورة ترهقها التابوهات السيرة الذاتية في الأدب العربي : نصوص
خلّفت مذكرات عمرو موسى الأمين العام للجامعة العربية الأسبق، وأحد أشهر وزراء الخارجية في عصر مبارك، سلسلة من...
مصطفي مشرفه في مصطفي مشرفه في " ذاكرة مصر المعاصرة "
نشرت مجله "ذاكره مصر" التابعة لمشروع ذاكرة مصر المعاصرة التابع لمكتبة الإسكندرية في عددها الثلاثين مقاله...

هل تتوقع ان تستجيب قطر لمطالب الدول المقاطعة لها؟

نعم
لا
ربما






جريدة صوت البلد

© جميع الحقوق محفوظة لموقع جريدة صوت البلد 2017