facebook   twitter  youtube
الدكتور خالد غازي





أراء وكتاب
أمير تاج السر
د. لنا عبد الرحمن


لماذا نحكي؟

عبد الرحيم جيران (القدس العربي :) الأحد, 30-يوليو-2017   03:07 صباحا

شكرا لك ..! لقد تم ارسال المقال بنجاح .
اغلاق

ارسال » لماذا نحكي؟
اسمك
بريدك الالكتروني
مرسل لبريد الكتروني
نص الرسالة


ارسال مقال ارسل | اضف تعليق|حفظ المقال حفظ|طباعة مقال طباعةاضف للمفضلة اضف المقال للمفضلة

سؤال يفتح أفقا آخر لفهم الحاجة إلى الحكي بالنسبة إلى الأفراد والجماعات. أكيد أن هناك ضرورات وجودية وأنثروبولوجية وراء فعل الحكي وصناعة الحكاية. لكن تبقى هناك أسئلة مؤرقة تتصل بالسحر الذي يمارسه فعل الحكي على الإنسان، في كل العصور والمجتمعات على اختلاف حظها من الحضارة: هل لأن مرض الزمان غير قابل للشفاء، كما تذهب إلى ذلك حنا أرندت، حين حديثها عن انصرام الحياة؟ هل يتعلق الأمر بوظيفة من وظائف الذاكرة الإنسانية، كما يتصورها برغسون، والتي تتمثل في حماية الذات- سواء أكانت فردية أم جماعية- من الأخطار المحدقة بها ومن الاندثار أيضا؛ ومن ثمة ينشئ حكي الغياب، ووضع الحكاية في زمان ماضٍ، نوعا من مواصلة هذه الذات حياتها عبر مد حكايتها في حياة الذين يأتون من بعد زوالها (الذات)؟ ألا نحكي لأننا ندرك أن الحياة هي حزمة من الإمكانات نختار منها أحدها (لايبنتز)، وتبقى الإمكانات الأخرى كامنة في الروح والعقل، ولا نستطيع تحريرها، والتحرر من ثقلها، إلا بفعل الحكاية التي تظل شاهدا على حماقاتنا في عدم إتقان الاختيار؟ هل لأن الحياة تجربة مجزأة ومجموع من التوترات بين ما نطمح إليه وما نحققه، فتتدخل لتلحم بوساطة الحبكة أجزاء هذه التجربة وتجعلها مفهومة لنا (بول ريكور)؟
كل هذه الأسئلة مسوغة ما دام الفرد لا يمتلك القدرة على تطويع الحياة لتكون مساوية للخلو من الهم الذي كان التجربة الأولى في الوجود؛ حيث كانت الذات نعم بالاكتفاء التامة؛ أي حيث كان كل شيء متوفرا لها وجاهزا، ومن دون جهد، ومن دون طلب أو انتظار، ومن دون زمان كوسمولوجي أو أنطولوجي، ومن دون ذات أو موضوع؛ والمقصود بهذا العالم عالم الرحم الذي يحل عندنا محل عالم اللبيدو الفرويدي؛ ففي هذا العالم الأول يكمن المعنى الأساس للحياة في سرها السامي (الكمال). وهو عالم يتعرض لمرض الذاكرة ما أن تحدث الولادة، لأن الذاكرة هي استيقاظ للخوف من الموت، وظهور نزوع الجسد إلى تسجيل كل ما يحيط به حتى يتذكر ما يهدد الحياة من مخاطر. ويتولد الحكي- هنا فقط وفقط- بوصفه حاجة ملحة؛ إذ يصير تعبيرا عن مرض الذاكرة الذي يصيب الإنسان ما أن يغادر عالم الرحم بوصفه عالم الاكتفاء والحماية المطلقين. ولم يخطِئ العرب حين وصفوا الرحم بمنبت الولد (لسان العرب)؛ ففيه كان العالم شبيها بعالم النبات الذي يتمتع بالاستغناء عن الجهد والفعل كي يستمر في البقاء.
نفترض- إذن- شرطيْن إنسانيين لتولد الحاجة إلى الحكي هما: شرط الحماية من الاندثار (غريزة البقاء)، ونقص العالم. وتترتب على هذين الشرطيْن مبادئ سردية محددة. ولنبدأ بمعالجة هذين الشرطين. يرتبط الشرط الأول (شرط الحماية) بوجود الإنسان في عالم صراعي مطلوب منه فيه بذل الجهد للاستمرار في الحياة، ورسم الأهداف لتحقيق ذلك واتخاذ الوسائل اللازمة لهذا التحقيق. وفي هذا يقع التوتر بين محدودية الإرادة والجسد ولا محدودية إمكانات المخاطر وعدم تكهنها، وتكهن زمانها ومكانها؛ فيأتي الحكي ليقوم بعمل شبيه بفن الإنسان البدائي، الذي كان يرسم ما يخاف منه (ويريد السيطرة عليه لصالح بقائه) على جدران الكهوف؛ أي أنه فن قولي مذكر (ذاكرة) يستهدف السيطرة على المرعب وترويضه لصالح بقائه (الحجر والبركة). أن يتوفق في هذه السيطرة أو يخفق فموضوع آخر، لكن ما يهم ذاكرة وتذكيرا هو مغالبة تهديد الاندثار (الموت).
ويتصل الشرط الثاني بالإحساس بنقص العالم الذي يتمثل في كونه لا يوفر للذات الإنسانية شرط الكمال، الذي هو المعنى الأساس من الوجود المفتقد؛ لكن ينبغي النظر إلى هذا النقص من زاويتين: أ- زاوية كون الإنسان يحمل في جسده عدم اكتمال قدرته على فعل كل شيء، بما في هذا مجاوزة شرطه البيولوجي (الجنس- الطعام) ومجاوزة الإمكانات المتاحة له على مستوى الفعل والفكر. ب- زاوية كون العالم لا يوفر للذات كل الحاجات التي يسعى إلى تحقيقها، والموضوعات التي يطمح إلى تملكها من دون جهد، ومن دون عناء، بل يضع أمامه عددا محدودا من هذه الحاجات المشروطة. وتستطيع الحكاية أن توفر تخييل إمكان هذه المجاوزة المزدوجة، بما يجعل الذات الإنسانية قادرة على التغلب على المحدود الجسدي (القدرة)، والمحدود البراغماتي (الموضوعات). ويعد هذا الشرط الثاني مشروطا بالشرط الأول وبعالم الرحم؛ فمجاوزة محدودية قدرة الذات ومحدودية المتاح من الموضوعات أمام لا نهائية الرغبات مرتبطان بحماية الذات من الاندثار والمخاطر المهددة (الموت)، كما أنهما مرتبطان بالحنين الغامض إلى عالم منسي بفعل مرض الذاكرة، هو عالم الاكتفاء التام الذي كانت الرحِم مجاله الأسمى.
ويتصل الشرطان المذكوران سابقا بمبادئ سردية نذكر منها- هنا- اثنين فقط، نظرا لضيق الحيز، وهما: علاقة التصور (التطلع) بالتحقق، وعلاقة الوسيلة بالغاية (علبة السرد). وهذان المبدآن يتصلان بالإرادة الإنسانية التي تجد أساسها في تحسين العيش داخل وجود مؤثث بتعارض المصالح، وبتقنين التعبير عن هذه الإرادة وممارستها على مستوى الفعل والخطاب معا. إننا لا نحكي إلا في اللحظة التي يصير فيها ما نطمح إلى تحقيقه من أفكار ورغبات (التصور) معرضا لمعاندة العالم له؛ ومن ثمة لا تكون الحكاية إلا تعبيرا عن التوتر بين التطلعات وتحققها في الواقع. وهذا التوتر يتخذ أشكالا مختلفة وفق السياقات التاريخية والاجتماعية التي يحدث فيها. ويختزن هذا التوتر في بنيته التعارض بين الرغبة التي لا تعقل إلا حريتها ومحدودية ما يقدمه العالم من متاح أمامها. وقد تحدث مجاوزة هذا التوتر من طريق تخييل وضع أنطولوجي فوق- بشري للذات (الحكاية الشعبية) أو وضع أنطولوجي يوتوبي يذهب بالشرط الإنساني نحو استنفاد الطاقة إلى درجة رفض العالم ومعانقة لا نهائية الموت (الرواية). لكن هذا المبدأ (علاقة التصور بالتحقق) غير منفصل عن المبدأ الثاني (علاقة الوسيلة بالغاية). فالحكي يقام دوما على عدم تناسب الوسيلة المعتمدة في الفعل والغاية التي يصبو إليها هذا الفعل. والوسيلة ترتبط بالجسد (القوة) والمعرفة (الخبرة- الذكاء- الحيل- التوقع- التأويل…الخ) والأداة (المال- الآلة- الكلام- الرموز…الخ). ولا يتولد الحكي إلا لكي يخيل تجاوز عدم التناسب بين الوسيلة والغاية التي توظف من أجل تحقيقها (الحكي العريق)، أو لكي يخيل وسائل مغايرة للتي يوفرها المجتمع للفرد، على الرغم من عدم التأكد من جدواها وتناسبها مع الغايات (الرواية). وعلى العموم لا تخرج العلاقة بين الوسيلة والغاية عن ترجمة التعارض الأساس بين الإرادة المحدودة وعالم الرغبات غير المحدود.
....
٭ أكاديمي وأديب مغربي

   

التعليقات






شكرا لك ..! سوف يتم عرض التعليق بعد التدقيق .



   

الوَلَعُ الدِّيني في مِصر الوَلَعُ الدِّيني في مِصر

ولأن كثيرين لم يقرأوا ما يكتب عن تجديد الخطاب الديني أو تطويره فوق المنابر وأسفلها أيضا ، ولأننا على إصرارنا القديم بضرورة غلق كافة أبواب الاجتهاد التفاصيل

في معرض للكتب في معرض للكتب

في معرض الدوحة الأخير للكتاب، الذي عقد في الفترة من نهاية تشرين الثاني (نوفمبر)، إلى الخامس من كانون الأول (ديسمبر) الجاري، التقيت بشاب أعرفه، يحمل التفاصيل

طائرٌ أجنحته من الألمنيوم طائرٌ أجنحته من الألمنيوم

يقدم ناظم حكمت من خلال تجربته الشعرية خطابا مستمدا من بيئته، من تكوين موجوداتها ومؤثرات تلك الموجودات على الحياة العامة والشخصية وينعكس ذلك الخطاب التفاصيل

البحث عن البحث عن "حافة الكوثر"

تتقاطع بعض الروايات مع الحياة مباشرة، وتستمد خطابها منها بلا مواربة، أو انحيازات مستترة لاخفاء الحقيقة، تطرح أزمتها وأسئلتها المؤرقة على الورق، تلك التفاصيل

كتابة الفانتازيا كتابة الفانتازيا

من الآداب التي تنتشر كثيرا في الغرب ولا تظهر عندنا إلا بشكل خجول، أدب الفانتازيا الذي يختص بصياغة عوالم كاملة من الخيال، تحوي مكاسبها وخساراتها التفاصيل

الشخصيات الحقيقية للروايات العربية والأجنبية الشخصيات الحقيقية للروايات العربية والأجنبية

يعاني كتاب القصة والرواية من الشخصيات الحقيقية لقصصهم ورواياتهم – فمن الممكن أن تطاردهم هذه الشخصيات - فالراحل محمد الجمل كتب روايته من "كفر الأكرم التفاصيل

الاستشراق تزوير .. الأصول الثقافية في الشرق الاستشراق تزوير .. الأصول الثقافية في الشرق

قال كافافيس شاعر الإسكندرية: عندما تشرع عائداً الى ايثاكي لا تتعجل ... تمنَّ أن تكون الرحلة طويلة ... مليئة بالمغامرات، غنية بالمعلومات ... فمثل التفاصيل




نجيب محفوظ والسينما نجيب محفوظ والسينما
تعتبر الدراسات التي تعتمد على مقارنة حقيقية بين الآداب والسينما قليلة للغاية، رغم وجود كم كبير من الأفلام...
الوَلَعُ الدِّيني في مِصر الوَلَعُ الدِّيني في مِصر
ولأن كثيرين لم يقرأوا ما يكتب عن تجديد الخطاب الديني أو تطويره فوق المنابر وأسفلها أيضا ، ولأننا على إصرارنا...
محسن حامد والمغادرة غربا محسن حامد والمغادرة غربا
تنافس رواية " مغادرة الغرب" للكاتب الباكستاني محسن حامد على جائزة "المان بوكر"، إنها رواية عن الهجرة...
أحمد مجدي همام يقدم الوصفة السحرية الرقم 7 أحمد مجدي همام يقدم الوصفة السحرية
أرض جديدة هي «اللابوريا»، وأبطال ليسوا من البشر ولا العفاريت، بل «الحراصيد» وحكايات تتخذ طابع المغامرات،...
تاريخ العنف، والعنف الجنسي تاريخ العنف، والعنف الجنسي
قد يبدو مفاجئًا جدًا للقارئ، لا سيما العربي الذي يعيش في ظروف تاريخية عنيفة: كلُّ أنواع العنف البشري، من...

هل تتوقع ان تستجيب قطر لمطالب الدول المقاطعة لها؟

نعم
لا
ربما






جريدة صوت البلد

© جميع الحقوق محفوظة لموقع جريدة صوت البلد 2017