facebook   twitter  youtube
الدكتور خالد غازي





أراء وكتاب
أمير تاج السر
د. لنا عبد الرحمن


رواية من نفق الحاضر

فوزي كريم (الجريدة الكويتية:) الخميس, 27-يوليو-2017   03:07 صباحا

شكرا لك ..! لقد تم ارسال المقال بنجاح .
اغلاق

ارسال » رواية من نفق الحاضر
اسمك
بريدك الالكتروني
مرسل لبريد الكتروني
نص الرسالة


ارسال مقال ارسل | اضف تعليق|حفظ المقال حفظ|طباعة مقال طباعةاضف للمفضلة اضف المقال للمفضلة

الألم ينهض بالرواية العراقية. والألم يمنح هذه الرواية شحنة استثنائية تدفعها باتجاه التغريب، الذي يليق وحده بما حدث، وما سيحدث. إن الأمل فيها مُطفأ، ولذلك تحلق طليقة داخل ظلمة، لا أعرف عن يقين، إذا كانت ظلمة التاريخ، أو ظلمة الروح. هذا انطباع لملمته من تحت خطى ما قرأت من روايات عديدة، الكاتب فيها هو المتحدث، والمتحدث فيها هو الضحية. ما من حبكة، ولا نمو شخصية، يمليهما فاصل مُفترض بين الكاتب وبين الموضوع. بل هي يوميات ضحية مُصابة بالحمّى، ولا تريد أن تُصغي لقارئ. إنها تتحدث لأصم، وتعرض صورتها لأعمى، وتصرخ في عمق ماء المحيط. إنها لم تخرج من عراقيي المنفى، العائمين في زمن الفقدان. بل من عراقيي الزمن الأرضي، الماهر في أفانين القمع، والاغتيال، والتعذيب، وحرب المدن، وحرب الجوار، والتهجير، والملاحقة، والتمثيل بالجسد الذي قُتل، ويُقتل آلاف المرات.
أنهيت قراءة «مسامرات جسر بزيبز» لشاكر الأنباري (منشورات دار المتوسط 2017)، بعد أن أوشكت على الانتهاء من قراءة «خضر قدْ والعصر الزيتوني» لنصيف فلك، كما أنني سبق أن قرأت «الأشباح والوهق» لسليم جواد وكتبت عنها. وفيما تصطنع الأخيرتان جحيماً سفلياً بديلا، تكتفي الأولى بالجحيم الأرضي.
الجحيم الأرضي، التاريخي، في رواية شاكر يتوزع بين أزمنة ثلاثة: زمن القرية أيام الصبا الأول، وزمن الهرب مما لا مهرب منه، وزمن كتابة الرواية في أربيل التي تبدو مستقراً مؤقتاً، لا زمن فيه؛ هنا أُنهك زمن الإنسان العراقي، وخرج عن دائرة الساعات والأيام والأسابيع والشهور. حين ينعدم المستقبل لا يعود الزمن زمناً. ولذلك يبدو زمن القرية أشبه بنافذة ضوء تُطل من جدار في قبو معتم، أو في نفق لا إضاءة في نهايته، هما قبو ونفق الحاضر. ضوء نافذة يُكثّف الروائي من قوته، كضوء نافذة في لوحة لرانبرانت، من أجل أن يجسد، بحكم حدة التعارض، تفاصيل الحاضر. زمن القرية خير كله، على ما فيه من بساطة وبدائية. يتخيل الراوي صورة عمه رشيد التي اندمجت «برمل النهر وسنابل القمح ونداء الطيور في أول يقظتها صباحاً، وتشظّت بين الدروب المسوّرة بالشوك والعاقول، وبين عذوق النخيل وأعشاش الطيور وزخّات المطر، وهي تضرب سطح البيوت، وأفواه التنانير، وأغصان أشجار اليوكالبتوس». في حين يتكدس الحاضر شراً كله، فحين يأتيه خبر مقتل أخيه مساء، في حاضر الزمن القبو أو النفق الذي لا منفذ فيه: «... جاء إلى بيوتنا مثل غمامة سامة... مثل صاعقة شتوية. نزل مثل مياه ساخنة في صيف حار. مثل انفجار مهول في ليلة مقمرة. مثل فيضان النهر في شتاء ممطر. مثل بصقة هاطلة من سماء صاحية. مثل منجل في ساق شجرة الرمان. مثل طلْق مُخفق لامرأة شابة».
في الرواية وفرة حياة من كل نوع: وفرة الشخوص، من أجداد وآباء وأبناء وأحفاد، على امتداد عمر الراوي الذي بلغ خمسين عاماً. على أن وفرة الطبيعة الفلاحية في قرية صغيرة على نهر الفرات، ووفرة أصناف أزهارها البرية، وأنواع حبوبها وبقولها، وثمار أشجارها، ووفرة أشياء الحياة اليومية داخل البيوت وخارجها، تكاد تقتصر على مرحلة الصبا في الزمن الماضي. والرواية يحتفي بها بغنائية عالية في حكايته، حتى لتكاد تبدو للعين مهرجان ألوان وأصوات. وبقدر ما نبتعد عن نافذة الماضي المضاءة، بقدر ما يُعتم نفق الحاضر. وعبر عتمته تصحب بكل كيانك مشاهد ذعر الوجوه ونشافها، وتشظي الأشلاء بفعل العبوات الناسفة، وأشباح رتل الدبابات الخرساء، ورتل البشر الهارب. الرواية بالغة الغنى بهذا، وهو مصدر أساس في تأثيرها. بالرغم من أن النثر في تدفقه يبدو غير متماسك كفاية، وأن الراوي، وسط عائلة تتزاحم أسماؤها وأعمال أرزاقها، لا يتّضح له اسم ولا عمل لرزقه. إلا أنها ثغرات لا ثقل لها وسط تدفق المشاعر والأحداث. رواية تستحق أن تُقرأ.

   

التعليقات






شكرا لك ..! سوف يتم عرض التعليق بعد التدقيق .



   

السرياليون والإنتقال الى العالم الإنكاري السرياليون والإنتقال الى العالم الإنكاري

إعتبر السرياليون الواقعية بأنها حركة ناقصة بل وعابرة وأضافوا اليها بأنها غير صافية وإن هذا المذهب قد جرفه الزمن واستهلك بكليته، وكان هناك إعلان واضح التفاصيل

إدامة الغيبوبة في عالمٍ مجهول إدامة الغيبوبة في عالمٍ مجهول

إلى حد ما، فإن قصيدة سان جون بيرس تنتظم مشاهدها الشعرية من أجزاء غير متناسقة المعنى اعتمادا على العقل الباطني الذي يفيض بغير معنى الواقع، فالصور التفاصيل

الهريسة والمياه الغازية في الإسكندرية الهريسة والمياه الغازية في الإسكندرية

المياه الغازية : ما أذكره جيدا – رغم مرور سنوات طويلة على ما حدث – أن عبدالحليم حافظ كان يغني أغنية "لا تكذبي" في حفل أضواء المدينة. وأخذ يعيد التفاصيل

سؤال الوسيط الثقافي سؤال الوسيط الثقافي

مفهوم الوسيط الثقافي جديد في الدراسات المتصلة بالثقافة حاليا في البلدان المتطورة. حاولت أن أبين، من خلال حديثي عن «الوساطة الثقافية» في مقال سابق أن التفاصيل

صيانة المعنى للوصول لمعنى المعنى صيانة المعنى للوصول لمعنى المعنى

مع ترتيبات توضع كأساس في بناء النص يمكن التحرر التدريجي عما يثقل المعنى باتجاه اقتناص المُعَبر المُفيد إذ ذاك ينطق النص (بأجمل صور النطق) كما عبر التفاصيل

النقد وشواغله الخفية النقد وشواغله الخفية

كان النقد الأدبي يسير باتجاهات مختلفة، أي بمفهوم رؤية النقد للجمال، وهذا لا ينطبق على الشعر فقط بل انطبق على معظم الفنون الأخرى حيث اعتبر البعض من التفاصيل

درس في الكتابة درس في الكتابة

الكتابة حقل الكاتب، يفعل بها ما يريده من حقله، وما يصبو إليه من توجهات ورغبات، لذا يحق لكل كاتب أن يخطط ويشكل مردود حقله بالطريقة التي تناسبه وتناسب التفاصيل




مفهوم الشعر .. دراسة في التراث النقدي مفهوم الشعر .. دراسة في التراث النقدي
تراثنا فى النقد الشعرى تراث ثرى لم تكتشف كل جوانب ثرائه بعد ، وذلك بسبب ما ضاع من هذا التراث ، وعدم دراسة كل...
فكرة ترجمات معاني القرآن الكريم في اللغات الأوروبية فكرة ترجمات معاني القرآن الكريم في
عندما استقر المسلمون في بعض البلدان المجاورة للغرب (أوروبا)، بخاصة في بلاد الشام وفلسطين ومصر، ثم بعد ذلك في...
"ضوء العتمات" .. مختارات شعرية لمحمد
يضم كتاب "ضوء العتمات" بين دفتيه مختارات شعرية تشمل نحو 70 قصيدة للشاعر المغربي محمد بنيس، والذي عرف عنه أنه...
رسوم متحركة تستقبل عودة السعوديين لدور السينما رسوم متحركة تستقبل عودة السعوديين لدور
بدأت السعودية مطلع هذا الأسبوع عرض أفلام سينمائية طويلة من الرسوم المتحركة للأطفال وذلك في قاعة مؤقتة للعروض...
السرياليون والإنتقال الى العالم الإنكاري السرياليون والإنتقال الى العالم الإنكاري
إعتبر السرياليون الواقعية بأنها حركة ناقصة بل وعابرة وأضافوا اليها بأنها غير صافية وإن هذا المذهب قد جرفه...

هل تتوقع ان تستجيب قطر لمطالب الدول المقاطعة لها؟

نعم
لا
ربما






جريدة صوت البلد

© جميع الحقوق محفوظة لموقع جريدة صوت البلد 2018