facebook   twitter  youtube
الدكتور خالد غازي





أراء وكتاب
أمير تاج السر
د. لنا عبد الرحمن


ولكن أسى بالغَ العمق يشوبُ ابتهاجي

فوزي كريم (الجريدة الكويتية:) الأحد, 02-يوليو-2017   03:07 صباحا

شكرا لك ..! لقد تم ارسال المقال بنجاح .
اغلاق

ارسال » ولكن أسى بالغَ العمق يشوبُ ابتهاجي
اسمك
بريدك الالكتروني
مرسل لبريد الكتروني
نص الرسالة


ارسال مقال ارسل | اضف تعليق|حفظ المقال حفظ|طباعة مقال طباعةاضف للمفضلة اضف المقال للمفضلة

إن التجوال في مدينة إسطنبول حفنةُ مباهج، تتدفق عناصرها من التاريخ، ومن الحداثة، ومن المسعى الذي لا يتوقف إلى المستقبل. تجمع بين حداثة الغرب وسحر الشرق، الأمر الذي يجعلها غاية في التفرد. إنها نموذج المدينة التي لا يتأثر عمرانُها المتواصل بالمعترك السياسي، إذا ما حدث، فهي تنعمُ بصلابة المدن التي تستقل خطواتُها، من أجل العمران، عن كل أهواء الصراع السياسي. هذا ما اجتهدتُ فيه، وأنا أستحضر، رغبةً في المقارنة، العواصمَ العربية التي تنعم بتاريخ عريق: بغداد، القاهرة، دمشق... هذه المدن العربية معلقةٌ بأذيال التسلط السياسي، والمعترك السياسي اللذين يواصلان فسادهما منذ أكثر من نصف قرن (وهل أجرؤ أن أقول: منذ 14 قرناً؟)، حتى لتبدو المدينةُ بناسها مرآةً تعكس فساد السلطة، تتشربه وتخطو خطاه. لذلك لم تملك حصانةً في الخطوات، ولا استقلالاً، يجعلانها تواصل النمو، غير عابئة بفساد الساسة. المدينة تَغْنى بسواعد أبنائها، أو تَفْقر بسواعدهم أيضاً. إن بغداد شاهدي على هذا، المدينة التي لمْ يُسعفها المجدُ القديم.
رأيت إسطنبول لأول مرة، بفضلِ دعوةٍ لمهرجانٍ عالمي للشعر، هو الخامس. إن سحرَ المدينة وضع المهرجان الشعري تحت ظلها، رغم تزاحم برنامجه، الذي تضمن قرابة 17 نشاطاً شعرياً وموسيقياً. القصائد التي استطعت متابعتها يغلب عليها الحماس السياسي، باستثناء قصائد شعراء من هولندا، النرويج، سلوفينيا، منغوليا، البرتغال، المكسيك، التي انصرفت إلى رؤى تُعنى بالإنسان، لا بالتاريخ. وهذا ما أصبو إليه. هناك مشاركات عربية من فلسطين، المغرب، مصر، لبنان، والعراق. لكن الأنشطة التي فتنتني أكثر من غيرها هي دعوة الشعراء لإقامة جلسات حوار في المدارس المتوسطة. هناك ينفرد الشعراء، عادة ما يحددون بثلاثة، بجمع من الطلبة داخل قاعات تتمتع بأناقة لافتة للنظر. الطلبة، فتياناً وفتيات، لا يخفون رغبتَهم في طرح الأسئلة، بشأن الشعر، ولا حماسَهم بالحصول على تواقيع الشعراء، حتى وجدتني، وأنا تحت وابل طلبات التوقيع، أتمتع بمشاعر النجم التي لا عهد لي بها. التفاتة من منظمي البرنامج ذكيةٌ دون شك.
كنت أود رؤية منطقة "تقسيم" في قلب إسطنبول، وشارعها الشهير "استقلال جادتي"، المحبب لقلب الشاعر الراحل حسين مردان في الستينيات، لكن لم يُسعفني الوقت. كان مردان يزور إسطنبول مرة أو مرتين في العام، ويحب أن يعلن اعترافه في كل مرة: "في استقلال جادتي أجد نفسي". على أني رأيت ما يكفي في زيارة قصيرة كهذه، ببرنامجها المزدحم. رأيت جامعيْ السلطان أحمد، وآيا صوفيا (الذي كان كنيسة بيزنطية، ثم أصبح جامعاً بعد فتح القسطنطينية على يد محمد الفاتح 1453، ثم تحول إلى متحف على يد أتاتورك). رأيت البازار الكبير، الذي لا يُقرن بخان الخليلي، أو سوق الحميدية، أو الشورجة أيام مجدها. مسقوف، يتوزع شارعه الرئيسي إلى أفرعٍ، والأفرعُ إلى أفرع، حتى يشكل متاهة لا يمكن الإحاطة بها. وأبرز ما يتميز به صفة الأناقة والجمال. كلُّ دكان عرضٌ فني، كما لو كان لوحة حروفية من فن الخط، في اللون والشكل، ودعوات المارة للشراء ليست ثقيلةَ الوطأة، ولا بأس من قطعة حلوى تُقدم إليك من هنا وهناك، أو استراحة لشرب الشاي في مقهى مفاجئ.
إن هذا العرض لم يبلغ ما بلغه لو أن بُناته عرضةٌ سهلةٌ للاستجابة للمصطرع السياسي. رأيت سُبلَ المواصلات، من مترو تحت أرضي، إلى ترام، إلى باصات نقل، إلى حافلات بحرية، إلى سيارات تكسي لا تنقطع خدماتها. ثم رأيت قصر الباب العالي، الذي ذكرني بقصر الحمراء في غرناطة، بسبب توزع بنائه الأفقي بين الحدائق، ثم رأيت "الباروناما" التي تصورُ بثلاثة أبعاد "فتحَ القسطنطينية" على يد محمد الفاتح، الذي ينتصب على فرسه وسط جنوده، فتى لم يتجاوز الواحد والعشرين من العمر. عرض بصري باهر لا يُنسى.
كنتُ مبتهجاً في الزيارة، لكن أسى بالغَ العمق يشوب ابتهاجي. لمَ أراني، أنا العربي، أنفردُ بانحداري أبداً، وكأني ثُلمةٌ في سيفٍ بفعلِ قطعِ الرقاب؟

   

التعليقات






شكرا لك ..! سوف يتم عرض التعليق بعد التدقيق .



   

العصر العربي الجديد؟ العصر العربي الجديد؟

لا داعي للتذكير بأن العالم العربي يعيش أسوأ مراحله التاريخية؛ حيث انطفأ أي أفق للنهضة الفعلية التي تدفع بالدول العربية إلى واجهة الحداثة والتقدم. بعد التفاصيل

فرج فودة .. مفكر اغتالته الكلمة فرج فودة .. مفكر اغتالته الكلمة

في نبوءة كتبها شهيد القلم الراحل فرج فودة ، الذي اغتيل وقد كتب بدمه اسمه يُضاف لأسماء شهداء الكلمة ، تنبأ قائلا " إن السلطة الدينية تؤدى إلى سلطة التفاصيل

الفلاسفة بين التأكيد والإنكار الفلاسفة بين التأكيد والإنكار

في بدايات القرن التاسع عشر قدم الفيلسوف أرتور شوبنهور كتابه الشهير "العالم امتثال وإرادة" بعد أن اضمحلت المفاهيم الفلسفية التي نادى بها من سبقوه في التفاصيل

أبوة الإبداع أبوة الإبداع

منذ فترة قليلة، تعرفت افتراضيا، إلى شخص في منتصف العمر، وتواصل معي بوصــــفه عاشـــقا للكتابة الإبداعية بشتى أنواعها، يقرأ الكتب، ويستمع إلى الشعر في التفاصيل

الشعر .. إهانة المألوف والمُتكرر البالي الشعر .. إهانة المألوف والمُتكرر البالي

هل يتوجه الشاعر بندائه للمجهول؟ هل يقيم علاقات عبثيةٍ لوعيه المنبثق عن رؤيته الواضحة، وهل تزدوج لديه انُساقهِ التخيلية وإشاراته ودلالاته في غير التفاصيل

الجَد والحفيد .. وجهًا لوجه على الإنترنت الجَد والحفيد .. وجهًا لوجه على الإنترنت

مع التراكم العظيم الذي تشهده شبكة الإنترنت يوما بعد يوم، بل ساعة بعد ساعة، لأخبارنا ومشاعرنا ومؤلفاتنا وصورنا وفيديوهاتنا، سنجد أننا أمام مكتبة ضخمة التفاصيل

أدب الكتب وأدب الحياة أدب الكتب وأدب الحياة

رغم تعقيدات مشاغل الدنيا التي تجفف أوعية الذاكرة أستعيد من حين لآخر حرارة إحدى جلساتي الممتعة مع المثقف اللامع ورجل الدولة الجزائري الاستثنائي التفاصيل




مسلسلات الأجزاء: ضرورة درامية أم تجارية؟ مسلسلات الأجزاء: ضرورة درامية أم تجارية؟
ارتبطت مسلسلات الأجزاء التي قدمت بمعظمها في العقود الماضية بالضرورة الدرامية، خصوصاً أن أحداثها كانت تغطّي...
أماني فهمي : الفن التشكيلي في بلادنا عديم الجمهور ومهمّش إعلامياً أماني فهمي : الفن التشكيلي في بلادنا
في الدول المأزومة ترى الغالبية أن الفن التشكيلي شكل من أشكال الترف، وأن هؤلاء الفنانين يعيشون في عالم آخر...
العناوين هي: البوابة الأولى لتلقي الأفلام السينمائية العناوين هي: البوابة الأولى لتلقي
لا شك في أن العنوان جزء لا يتجزأ من السرد السينمائي، وهو الرسالة الأولى لفهم مضمون الفيلم ودلالته، كما يساهم...
التشكيلية المغربية شامة مؤدن تغازل التجريد التشكيلية المغربية شامة مؤدن تغازل
تشتغل التشكيلية شامة مؤدن وفق منهج تعبيري مليء بالحجب، وهو مسلك يمتح مقوماته من التجريد، حيث تعمد المبدعة إلى...
الاضطهاد الديني يحاصر المبدعين العرب الاضطهاد الديني يحاصر المبدعين العرب
في ليبيا اتهم خطيب جامع من على المنبر الكاتب وعازف العود الليبي خليل الحاسي بأنه “كافر شيعي” وطالب المصلين...

هل تتوقع ان تستجيب قطر لمطالب الدول المقاطعة لها؟

نعم
لا
ربما






جريدة صوت البلد

© جميع الحقوق محفوظة لموقع جريدة صوت البلد 2017