facebook   twitter  youtube
الدكتور خالد غازي





أراء وكتاب
أمير تاج السر
د. لنا عبد الرحمن


إنها مقبرة.. أيتها السّيدة

قيس مجيد المولى (ميدل ايست أونلاين:) السبت, 01-يوليو-2017   03:07 صباحا

شكرا لك ..! لقد تم ارسال المقال بنجاح .
اغلاق

ارسال » إنها مقبرة.. أيتها السّيدة
اسمك
بريدك الالكتروني
مرسل لبريد الكتروني
نص الرسالة


ارسال مقال ارسل | اضف تعليق|حفظ المقال حفظ|طباعة مقال طباعةاضف للمفضلة اضف المقال للمفضلة

عندما هبطتُ مطار إسطنبول كان شاغلي الوحيد أن أحافظ على الهدية التي جلبتها لصديقي عثمان أوغلو، مثلما حافظت عليها عند شرائها من سوق الأنتيكات حتى صعودي طائرة الخطوط الجوية العراقية الرحلة 810 المتوجهة الى إسطنبول في العام 1993.
ذات سنة قصصت على صديقي أوغلو بعض القصص الشخصية، وذكرت له بعض الأماكن التي احتوتها هذه القصص، وكان جل تركيزي على شارع النهر من جسر الأحرار حتى جسر الشهداء، ولا بد ضمن الحديث أن أتناولَ ذكرياتي في هذا الشارع وأهم محطاته بدءا من شريف وحداد والمسافة ما بين غرفة تجارة بغداد والبنك المركزي الى شارع السمؤال وسوق دانيال وسوق التُحف والسجاد وصولا الى المدرسة المستنصرية التي تنتهي بالقرب من رقبة الجسر.
أنا شخصيا لا تفسير لدي من أن الذكريات لا تغادر أماكنها، لا أدري لم هي باقية بقاءً خالدا لا تزحزحها حقائق ولا تُغير عليها صروف الدهر. المهم كان إنشطاري نحو الحياة قد بدأ من ذكرياتي في شارع النهر، يوميا ترتفع يدي عبر هذا الشارع بالسلام على رياضيين وأدباء وفنانيين ومنشدات من فرقة الإنشاد العراقي وباعة متجولين وعارضات أزياء ومختلف شرائح المجتمع.
كان شارع النهر بالنسبة لي مجتمعي الذي أرسم من خلاله إفتراضات الحياة المستقبلية وعليه أُسس لحقب زمنية بعيدة كانت أم قريبة وسط اعتقاد بأبدية الحياة ونرجسيتها، ولا يمكن أن أتصور يوما أن هذا المكان سيندثر من تلك المشاعر الفريدة التي يحملها سالكوه.
المهم إشتريت لعثمان أوغلو هديته والتي لَمَح لي في تلك الجلسة التي كنا نتناول بها النبيذ الأحمر في إحدى حانات تَقسيم حين سألني عن النخيل والتمر متمنيا أن يرى في داره نخلة عراقية مجسمة يضعها أمام ناظريه. قطعا وقتها وعدته بذلك بطرف عين.
بعد هبوط الطائرة في مطار أتاتورك حملتها برفق كانت نخلة جذعها من الخشب المطعم بالعاج وثمارها من الفضة استقرت على قاطع حديدي، وأحيطت ببيت زجاجي مستطيل الشكل، حين صعدت المترو كانت نيتي أن أتجه الى حيث مقامي في أقصراي أي بعد 17 محطة يتوقف عندها المترو، وما أن إجتاز المحطات الأولى والثانية والثالثة وعند وصول المترو الى محطة داود باشا وخوفا على هديتي وجدت من المناسب أن لا أصل أقصراي، لذلك قررت الهبوط من المترو عند محطة بيرم باشا حيث منزل صديقي عثمان أوغلو، وخصوصا أن أوغلو لا يغادر بيته في وقت الظهيرة.
طرقت باب الدار بيد وأنا أشد باليد الثانية على الهدية، بالمقبض الحديدي أعدت الطرق على الباب، تنحنح من داخل الدار، صوت ليس بصوت عثمان، وما هي إلا لحظات وفُتحَ خيط من الباب وسمعت صوتا (تفضل أفندم)، أخبرت صاحبة الصوت بأني صديقٌ لعثمان أوغلو، بادرتني وبلغة عربية ركيكة (العراقي) قلت: نعم. قالت: تفضل أفندم.
فُتح الباب على مصراعيه ورأيت حال دخولي أولادا ثلاثة يتقافزون خلف ديك رومي، أسرعت وأمرتهم السيدة أن يتوقفوا ويسلموا على الضيف، مرة أخرى شددت الهدية على صدري واحتضنتها باليد اليسرى وتركت اليمنى طليقة لمصافحة ومداعبة الأطفال الثلاثة.
كان البيت صامتاً وشجيرات الكرز في حديقة البيت صامتة هي الأخرى، جلست في الصالةَ وأحضرت السيدةُ لي قهوة وقنينة ماء، ولأن الإرهاق من حمل الهدية والخوف عليها أخذ مني مأخذه بدأتُ الحديث بهديتي لعثمان وأشرت للسيدة عليها، تفحصتها وأعادت تفحصها وأسرعت لإستبدال ثيابها، وقبل ذلك أخبرتني بأن عثمان في إنتظاري في مكان ما.
سررت أن عثمان بــ إنتظاري كوني وبالفعل بشوق بالغ لإعادة جلساتنا في حانات تقسيم وشرب النبيذ الأحمر وتبادل ذكرياتنا بين كأس وكأس، رغم اعتراض السيدة -التي عرَفتُ لاحقا أنها زوجة عثمان أوغلو - الذهاب بسيارة تاكسي الى حيث زوجها عثمان، لكني رجوتها أن نركب التاكسي بدلا من الباص لأن لدي أشياء أود إنجازها قبل حلول الظلام.
المهم سألني سائق التاكسي إلى أين؟ التفتُ الى السيدة وأخبرَتهُ الوجهةَ محلة أبو أيوب الأنصاري، المحلة التي تقع في ضواحي إسطنبول، مرة أخرى بعناية وبتركيز وضعت الهدية بين ساقيَّ وأطمان قلبي بل وشعرت أنها نهاية رحلتها وستكون هديتي بين يدي عثمان.
بعد ما يقارب من 20 دقيقة وصلنا الى أبي أيوب الأنصاري وكلما تقدمنا خطوة أشاهد السيدة تزدانُ صمتا، دخلنا من أحد الأبواب الكبيرة مكانا لا أعرفه وما أن سرنا أمتارا قلائل حتى بدأت ملامح المكان تتضح لي وهنا وبدون إرادتي صرخت بالسيدة إنها مقبرة، مقبرة أيتها السيدة.
صَمتَ كلانا بل وتهيأ لي أن الهدية شاركتنا هذا الصمت، بعد ذلك قلت لنفسي ليس من اللياقة أن أطرح أسئلةً وأنا في مقبرة، وأنا الذي صرخت إنها مقبرة أيتها السيدة، وصلنا الى أحد القبور ووقفت السيدة قبالته وأشارت إلي دون أن تتكلم قرأتُ بالتركية بعضَ المفردات على الشاهدة وأنتقلت من ذهولي الى دموعي ولم أسالها متى لأن التاريخ على الشاهدة وضح كل شيء، وبدون إرادة مني ناولتها الهدية ونادت على حفار القبور وأخبرته أن يفعل مثلما أراد عثمان أوغلو في وصيته.
رفع من جانب قبر عثمان بلاطة شبيهة بحجر الأساس الذي يوضع عند البدء بتنفيذ مشروع ما وأدخل الهدية وأبقى سعفها خارج الحفرة ورتب لها بلاطة جديدة وشاهدة أوصى صديقي أوغلو أن تكتب عليها "من صديقي العراقي .. شكرا لك وللشفيعة المباركة".
لم أصدق أن عثمان وضع للهدية وصية ووضع للشاهدة هذه المفردات، هكذا دفن عثمان أوغلو وجواره النخلة المقدسة والتي سترعاه حين ينام وتباركه في الأعياد وتكون مأدبته إن ألم به الجوع.
صافحت السيدة عند الباب ونظرنا إلى السماء أن تتعاطف ونخلة عثمان أوغلو التي اتضح لي بأنها ستكمل مسيرة حياته، مذ تلك السنة وفي اليوم الذي يصادف ذات اليوم أصبحت مناسكي حين أتي لأسطنبول وأستقل المترو من مطار أتاتورك أهبط في محطة بيرم باشا وأقف هناك دقائق، ثم أعود مع مترو آخر الى أقصراي ومن أقصراي الى مقبرة أبي أيوب الأنصاري أطمئن على ضريح عثمان أوغلو وعلى سعف النخلة وشاهدتها، ثم أعود الى إحدى حانات تقسيم وأمامي كأسان وقنينة من النبيذ الأحمر.

   

التعليقات






شكرا لك ..! سوف يتم عرض التعليق بعد التدقيق .



   

مي زيادة وصالونها الأدبي مي زيادة وصالونها الأدبي

وجدت دعوة الإمام محمد عبده وتلميذه قاسم أمين وغيرهما من المصلحين آذانا صاغية في المجتمع العربي، وهو يدب نحو الرقي ويسعى نحو النهضة في نهاية القرن التفاصيل

الجوائز العربية وجبر الخواطر الجوائز العربية وجبر الخواطر

قال كاتب عربي صديق في تعليقه على قائمة إحدى الجوائز الأدبية العربية الهامة، إن هناك كتابا معينين يدخلون تلك القوائم ليس بسبب إبداعهم المستحق، ولكن التفاصيل

لا أحد يُراسل الكولونيل لا أحد يُراسل الكولونيل

ما بين نزع الكولونيل غطاء علبة البُن والتي لم يبق فيها سوى قدر ملعقة صغيرة، وبين اللحظة التي تأمل ملياً زوجته بعد أن جذبته من عنق قميصه وهزته بقوة التفاصيل

ما يريده الأدباء ما يريده الأدباء

منذ فترة قليلة، رحل الكاتب المصري صبري موسى، صاحب رواية «فساد الأمكنة»، الممتعة، الغريبة في أحداثها، التي تدور في بيئة لم تكن مكتشفة، ولا تزال غامضة التفاصيل

المثقف وجاذبية الديكتاتور المثقف وجاذبية الديكتاتور

المثقف والتطلع السياسي، والديكتاتور، والأخلاق، وتطابق الفكرة والعمل... الخ، تدور في محور واحد. تشغل كُتاب الغرب، ويُفترض أن تشغل كُتابنا أيضاً التفاصيل

بحثا عن شرق آخر بحثا عن شرق آخر

أي شرق نريد؟ الشرق المصنّع الذي ابتدعته اتفاقيات سايكس بيكو وكل ما تلاها لتمزيق ما بقي واقفا بعد الانهيارات العثمانية والهزائم المتتالية، أم شرقا آخر التفاصيل

ثقافة ما قبل الدولة ثقافة ما قبل الدولة

ما أعنيه بما قبل الدولة، يأتي في سياق مضاد لما يطلق عليه المابعديات، سواء تعلق الامر بالدولة أو الحداثة أو الثقافة، وقد يستغرب البعض أن بيان موت التفاصيل




غلق بوغاز مينائي الإسكندرية والدخيلة بسبب سوء الأحوال الجوية غلق بوغاز مينائي الإسكندرية والدخيلة
قررت سلطات ميناء الإسكندرية، صباح اليوم الأحد، غلق بوغاز مينائي الإسكندرية والدخيلة أمام حركة الملاحة...
تعليق «الخارجية» على طلب تأجيل اجتماع سد النهضة تعليق «الخارجية» على طلب تأجيل اجتماع
علق المستشار أحمد أبوزيد، المتحدث باسم الخارجية، على قرار السودان تأجيل الاجتماع الوزاري الثلاثي الخاص بسد...
وزيرة الثقافة تلتقي العاملين بالمسرح القومي وزيرة الثقافة تلتقي العاملين بالمسرح
حرصت الدكتورة ايناس عبد الدايم وزير الثقافة على لقاء الفنانين والعاملين بالمسرح القومى مساء أمس الأربعاء،...
البابطين تستعد لمنح الراحل فاروق شوشة جائزتها التكريمية البابطين تستعد لمنح الراحل فاروق شوشة
تستعد مؤسسة عبدالعزيز سعود البابطين الثقافية لإقامة مهرجان ربيع الشعر العربي في موسمه الحادي عشر وذلك في...
من الإشراقات الشّعرية الى الإشراقات الفكرية والفلسفية من الإشراقات الشّعرية الى الإشراقات
لا شك أن رواد الحداثة المبكرة في العراق قد رسموا اتجاهاتهم الشعرية الخاصة بهم، بعد أن انتقلوا من شكل الشعر...

هل تتوقع ان تستجيب قطر لمطالب الدول المقاطعة لها؟

نعم
لا
ربما






جريدة صوت البلد

© جميع الحقوق محفوظة لموقع جريدة صوت البلد 2018