facebook   twitter  youtube
الدكتور خالد غازي





أراء وكتاب
أمير تاج السر
د. لنا عبد الرحمن


«تبويم» في «كورنيش» بيروت

غادة السمان (القدس العربي) الإثنين, 26-يونيو-2017   11:06 صباحا

شكرا لك ..! لقد تم ارسال المقال بنجاح .
اغلاق

ارسال » «تبويم» في «كورنيش» بيروت
اسمك
بريدك الالكتروني
مرسل لبريد الكتروني
نص الرسالة


ارسال مقال ارسل | اضف تعليق|حفظ المقال حفظ|طباعة مقال طباعةاضف للمفضلة اضف المقال للمفضلة

أول ما أفعله حين أصل إلى بيروت هو الذهاب لتحية البحر عن قرب، ومغازلته. ولعل ذلك الغرام عايشته منذ طفولتي فأمي ابنة اللاذقية السورية.

المشي في «كورنيش المنارة» هو المتنفس الأول لأهل بيروت من أثرياء وفقراء و(بيارتة) وضيوف.

مررت أولاً بالمكان الذي كان مسبحاً للجامعة الأمريكية حين كنت طالبة وكان للطلاب فقط ومجانياً نمر إليه من هرم الجامعة عبر نفق تحت الشارع العام ولم يكن فيه (شاليه) ولا حتى مظلة وكنت من زبائنه.. توقفت وشاهدت غادة الطالبة الصبية تقفز إلى الماء لتسبح وتتوهم نفسها سمكة. تابعت المشي والكورنيش مزدحم بالمتنزهين والمتسولين أيضاً.. تأملت صور بعض خريجي «الجامعة الامريكية» الذين تعتبرهم الجامعة من خريجيها الذين حققوا إنجازات في حقولهم. وتلك بادرة تكريم جميلة من الجامعة بدلاً من ان يقوم الخريجون بتكريمها في ذكرى 150 سنة على تأسيسها.. توقفت أمام صورة المهندسة العالمية العراقية الأصل زهاء حديد التي فقدناها منذ عام. طول الصورة متران أو أكثر وعرضها أكثر من متر وتتدلى من عمود على طرف الرصيف، والمتنزهون يتوقفون أمام بعض الصور الممتدة على طول الكورنيش وكلها بحجم واحد، تكريماً لبعض (خريجيها).

تابعت المشي ووجدتني أمام مفاجأة حقيقية! إنها صورتي بالقرب من صورة الرائعة زهاء حديد والتكريم شملني. صورتي بملابس التخرج الجامعي وعلى رأسي القبعة وعلى فمي ابتسامة خجولة.

أجنحتي تؤلمني أيتها الصبية

توقفت أمام الصورة لأن الصبية فيها تبدو كما لو كانت ابنتي.. كأنها ليست صورتي اليوم.

وقرأت النص المكتوب عليها بالعربية على وجه من الصورة وبالانكليزية على الوجه الآخر. والنص يثني عليّ كروائية ويذكر سنة تخرجي في الجامعة. إذاً هذه صورتي منذ ألف عام في ثياب التخرج قبل زمان التشرد. ولم يخطر ببالي ان تلك الصبية الصغيرة التي تتفجر نضارة ستعرفني، بعدما مرت محاريث الأحزان والحروب والتشرد فوقي جيئة وذهاباً..

ولذا دهشت حين حركت فمها في الصورة وقالت لي: كنت انتظرك.. يا ابنتي!! (فهي الصبية التي أنجبتني!!..) تلفت حولي، لكن المارة لم يشاهدوا ان شفاهها تتحرك.. وحدي شاهدت ذلك وسمعت صوتها رغم ضجيج الشارع. قلت لها بلا صوت بالتخاطر: لم أتوقع ان تعرفيني بعد تلك الأعوام الطويلة. أيتها الصبية التي انجبتني!!.

قالت: تبدين متعبة. لقد تبدلتِ في سنوات فراقنا..

قلت لها: أجنحتي تؤلمني.. لقد طرت طويلاً.. كنت أحقق لك أحلامك وأمنياتك. طرت في العواصف وخلف الطائرات ومحطات القطارات الهاربة. لم يكن في رصيدك غير كتابين وأضفت اليهما حوالي خمسين كتاباً.. ماذا تريدين مني بعد؟

التكريم؟ يا للهول؟

قالت: لماذا ترفضين كل تكريم يعرض عليك؟ استمتعي بنجاحي أنا!

قلت لها والمارة لا يلحظون ما يدور: لأنني أشعر أن التكريم هو بطاقة الدعوة الأولى!.. ما أن يكرموا أحدهم إلا ويرحل بعد ذلك بقليل كصادق جلال العظم مثلاً.

قالت: حسناً أشكرك على كل شيء، وعلى تعبك ولكنني أشعر بالوحشة!..

قلت: أيتها الحمقاء الصغيرة علام الوحشة.. انظري إليهم كيف يتدفقون الآن على رصيف الكورنيش ويعبرون المارة باجسادهم الشفافة: انهم ابطال القصص التي كتبتها لأحقق طموحك.. الروائي لا يستطيع أن يكون وحيداً فأبطاله يلازمونه.. شاهدتهم في زيوريخ وكانت جنازتي بهم جميلة جداً.. وها هم يحيطون بك بثيابهم نفسها التي تركُتها بهم في رواياتي.. أضفت:

تذكري فرنسواز ساغان الكاتبة الفرنسية الشهيرة.. أشفق الناس عليها لأنها ماتت وحيدة في غرفتها في المستشفى. لم يروا أن غرفتها كانت مزدحمة بأبطال قصصها وهم يمسكون بيدها وحين لفظت أنفاسها انضمت اليهم!!..

العودة الى أحزاني وغضبي

غادرت صورتي وتابعت المشي.. تعبت. جلست على أحد المقاعد العامة أتامل صديقي البحر وأقرأ في جريدة تركها على المقعد من سبقني غليه ومضى..

أقلب الصفحات ـ وفي كل سطر منها شجار ـ انه الشجار العتيق التاريخي على قطعة الجبنة أي الوطن، وكل واحد يريد (حصة) أكبر من سواه في كل حقل.. (الأوادم) صاروا الأقلية المستعدة للتضحية بمصالحها ومكاسبها الذاتية إكراماً لاستمرارية وطن اسمه لبنان.. والشعب تعب ولا يريد غير اللقمة بكرامة والكهرباء والماء وجمع النفايات والرأفة بالشواطئ من أصحاب المشاريع التي تدر المال لكنها تحرم الفقير ومتوسط الحال من السباحة مجاناً في شواطئ يتم تشييد المنتجعات عليها للأثرياء.

الرئيس الحص: نظافة الكف والقلب

تذكرت وأنا أتأمل البحر أحد المسؤولين السياسيين الأنقياء النادرين في لبنان إنه رئيس الوزراء السابق سليم الحص، المشهور ايضاً بالدفاع عن الحرية والحياة الديمقراطية. وهو اليوم مريض ومعتكف في بيته ولكنه على الرغم من المرض أعلن الصيام عن الطعام تضامناً مع الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال وهي مبادرة تقدر له.

وأعلن الرئيس السنيورة منوهاً بموقف الحص: «قضية فلسطين هي القضية المركزية للعرب وهي أم القضايا العربية» وهو ما أؤمن به وأدعو للرئيس الحص مع الكثيرين بالعافية وطول العمر..

الرئيس الحص كان وزوجي زميلين أيام التدريس في الجامعة الامريكية وحين عاد زوجي من منفاه في باريس لزيارة بيروت بعد خمسة عشر عاماً من الفراق، كان أمام باب الطائرة شرطيان يسألان عنه وخفت وندمت لعودته لكنهما اقتادا زوجي إلى «صالون الشرف» بأمر من رئيس الوزراء يومها سليم الحص الذي اتصل به هاتفياً ايضاً إلى المطار مرحباً.. ولأنني أعشق الوفاء أعلن إعجابي وحبي لذلك الصائم عن الطعام.. الجالس على مائدة الوفاء لفلسطين، وللحرية ولأصدقائه.

   

التعليقات






شكرا لك ..! سوف يتم عرض التعليق بعد التدقيق .



   

العصر العربي الجديد؟ العصر العربي الجديد؟

لا داعي للتذكير بأن العالم العربي يعيش أسوأ مراحله التاريخية؛ حيث انطفأ أي أفق للنهضة الفعلية التي تدفع بالدول العربية إلى واجهة الحداثة والتقدم. بعد التفاصيل

فرج فودة .. مفكر اغتالته الكلمة فرج فودة .. مفكر اغتالته الكلمة

في نبوءة كتبها شهيد القلم الراحل فرج فودة ، الذي اغتيل وقد كتب بدمه اسمه يُضاف لأسماء شهداء الكلمة ، تنبأ قائلا " إن السلطة الدينية تؤدى إلى سلطة التفاصيل

الفلاسفة بين التأكيد والإنكار الفلاسفة بين التأكيد والإنكار

في بدايات القرن التاسع عشر قدم الفيلسوف أرتور شوبنهور كتابه الشهير "العالم امتثال وإرادة" بعد أن اضمحلت المفاهيم الفلسفية التي نادى بها من سبقوه في التفاصيل

أبوة الإبداع أبوة الإبداع

منذ فترة قليلة، تعرفت افتراضيا، إلى شخص في منتصف العمر، وتواصل معي بوصــــفه عاشـــقا للكتابة الإبداعية بشتى أنواعها، يقرأ الكتب، ويستمع إلى الشعر في التفاصيل

الشعر .. إهانة المألوف والمُتكرر البالي الشعر .. إهانة المألوف والمُتكرر البالي

هل يتوجه الشاعر بندائه للمجهول؟ هل يقيم علاقات عبثيةٍ لوعيه المنبثق عن رؤيته الواضحة، وهل تزدوج لديه انُساقهِ التخيلية وإشاراته ودلالاته في غير التفاصيل

الجَد والحفيد .. وجهًا لوجه على الإنترنت الجَد والحفيد .. وجهًا لوجه على الإنترنت

مع التراكم العظيم الذي تشهده شبكة الإنترنت يوما بعد يوم، بل ساعة بعد ساعة، لأخبارنا ومشاعرنا ومؤلفاتنا وصورنا وفيديوهاتنا، سنجد أننا أمام مكتبة ضخمة التفاصيل

أدب الكتب وأدب الحياة أدب الكتب وأدب الحياة

رغم تعقيدات مشاغل الدنيا التي تجفف أوعية الذاكرة أستعيد من حين لآخر حرارة إحدى جلساتي الممتعة مع المثقف اللامع ورجل الدولة الجزائري الاستثنائي التفاصيل




مسلسلات الأجزاء: ضرورة درامية أم تجارية؟ مسلسلات الأجزاء: ضرورة درامية أم تجارية؟
ارتبطت مسلسلات الأجزاء التي قدمت بمعظمها في العقود الماضية بالضرورة الدرامية، خصوصاً أن أحداثها كانت تغطّي...
أماني فهمي : الفن التشكيلي في بلادنا عديم الجمهور ومهمّش إعلامياً أماني فهمي : الفن التشكيلي في بلادنا
في الدول المأزومة ترى الغالبية أن الفن التشكيلي شكل من أشكال الترف، وأن هؤلاء الفنانين يعيشون في عالم آخر...
العناوين هي: البوابة الأولى لتلقي الأفلام السينمائية العناوين هي: البوابة الأولى لتلقي
لا شك في أن العنوان جزء لا يتجزأ من السرد السينمائي، وهو الرسالة الأولى لفهم مضمون الفيلم ودلالته، كما يساهم...
التشكيلية المغربية شامة مؤدن تغازل التجريد التشكيلية المغربية شامة مؤدن تغازل
تشتغل التشكيلية شامة مؤدن وفق منهج تعبيري مليء بالحجب، وهو مسلك يمتح مقوماته من التجريد، حيث تعمد المبدعة إلى...
الاضطهاد الديني يحاصر المبدعين العرب الاضطهاد الديني يحاصر المبدعين العرب
في ليبيا اتهم خطيب جامع من على المنبر الكاتب وعازف العود الليبي خليل الحاسي بأنه “كافر شيعي” وطالب المصلين...

هل تتوقع ان تستجيب قطر لمطالب الدول المقاطعة لها؟

نعم
لا
ربما






جريدة صوت البلد

© جميع الحقوق محفوظة لموقع جريدة صوت البلد 2017