facebook   twitter  youtube
الدكتور خالد غازي





أراء وكتاب
د. لنا عبد الرحمن
حسام أبو سعدة


حبال الحنين

أمير تاج السر (القدس العربي :) الأربعاء, 15-فبراير-2017   01:02 صباحا

شكرا لك ..! لقد تم ارسال المقال بنجاح .
اغلاق

ارسال » حبال الحنين
اسمك
بريدك الالكتروني
مرسل لبريد الكتروني
نص الرسالة


ارسال مقال ارسل | اضف تعليق|حفظ المقال حفظ|طباعة مقال طباعةاضف للمفضلة اضف المقال للمفضلة

بالطبع، ومع اشتعال الحروب في بلدان كثيرة، وانتهاء عهد الاستقرار فيها، وحتى قبل ذلك بكثير، تبدو مسألة الهجرة من تلك البلدان، مطروقة بشدة، وأن كثيرين هاجروا وابتدأوا حيوات أخرى، في بلاد منحتهم استقرارا ما، وربما وظائف جيدة، وعائلات جديدة، وإذا كانت الحروب والديكتاتوريات، من أهم عوامل السفر من وطن إلى وطن بديل، نجد ضيق العيش سببا وجيها وكبيرا، ولعله كان السبب الرئيسي في ما مضى، وأن كل من سافر، كان يسعى للعيش بطريقة أو بأخرى.
تلك الهجرات، أوجدت في ما أوجدت من الأشياء المرافقة للحياة، أدبا جديدا، وفنا جديدا، وحتى سلوكا آخر، يسلكه المهاجر حين يعود لسبب أو لآخر إلى وطنه الأصلي، ويبدو غريبا على من يعيشون بداخل الوطن، لم يبرحوه بوصة واحدة.
بالنسبة للأدب الذي أسميه: أدب الحنين، كانت السمات واضحة جدا وتتجدد باستمرار، كلما نضج كاتب أو شاعر، في جيل ما وكتب شيئا. هنا قد تكون ثمة حكايات مرتبطة بالوطن البديل، لكن لا بد من أن نجد بهار الحنين منثورا على النص، وتداعيات كثيرة تستدعي تفاصيل الحياة السابقة، ابتداء من زمن الطفولة، وحتى الخطوة الأخيرة التي خطاها المبدع في بلاده، قبل أن يستقل الطائرة، مفارقا وحالما.
وإذا كانت البلاد عموما، تختلف في أجوائها وأدبياتها وتراثها، وحياة شعوبها، فإننا نجد استدعاء الحنين كله متشابها، الحنين السوري، يشبه الحنين السوداني، وهذان يشبهان حنين أي بلد في المغرب العربي: كل الخطوات القديمة كانت ناعمة وراقصة، كل الطفولات هنا أو هناك، كانت سعيدة، ورائعة وفيها أصدقاء ملهمون، وأمهات وجدات طيبات، يحملن أكواب العطف، يسكبنه على الأطفال، كل الآباء دافئون، وحتى الخشنون منهم، نجد في خشونتهم عذوبة ما، وتلك الطرق التي ربما كانت مغبرة وكثيرة الحفر، في الواقع، قد نجدها نظيفة وسلسة، وتقود إلى طرق أنظف وأجمل، هكذا.
وإن كان ثمة لصوص أو مجرمون في الواقع القديم، فغالبا لا يرد ذكرهم في نصوص الحنين، فالوله بالقديم الذي لن يعود، يلغي كل اتساخ من المجتمع، على الرغم من أن الاتساخ نفسه جزء من تكوين المجتمع، لا يستقيم إلا به، وكنت كتبت في نص لي جملة ساخرة، عن مهنة السرقة، التي كادت تنقرض في يوم ما، حين دخلت الكلاب البوليسية إلى الوطن، وأحدثت رعبا قاتلا في نفوس اللصوص.
أدب الحنين أيضا قد يكون كذابا للغاية، فيستدعي قصة الحب الفاشلة تلك، التي كانت حدثت بين الكاتب وفتاة ما من سكان بلدته، وكانت كلها صد وحرمان وهجر، وساهمت بطريقة أو بأخرى، في تركه للوطن كافة، على لسان راو لنصه، بوصفها قصة مثالية، كان من الممكن أن تثمر بشدة، لولا الظروف، وذلك الحمار الذي ربما رفسه في بطنه وكاد يقتله، بوصفه حيوانا أليفا سهل القياد.
من الروايات التي ورد فيها ذكر الحنين، وكنت قرأتها باكرا ومرات عدة، وأصبحت جزءا من الأعمال التي أعتبرها مكونة لي، رواية «الحب في زمن الكوليرا» للعظيم الراحل ماركيز، كان الراوي العليم يتحدث عن الطبيب الذي ذهب إلى أوروبا وتعلم، وكان من الممكن أن يبقى مهاجرا نظيفا من كل تعب، إلا أنه عاد إلى وطنه، تجره حبال الحنين إلى ذلك الوطن الذي غاب عنه سنوات، ليفاجأ بالذباب في الميناء، والأطفال المتسخين، ورائحة الملح والتخثر والعفونة، ويكتشف زيف الحبال التي جرته، وأنه عاد بلا أي وعي ليواجه حياة لن تكون عظيمة وسلسة.
تلك الرؤية المختصرة من ماركيز هي بالضبط ما يمكن أن ينتج منها أدب شفاف، يسطو على الزيف، ويبدو حقيقيا، وحتى لو لم يٌكتب أدب ما، فهي تبدو موجودة في الحياة العادية، للذين يبتعدون عن أوطانهم لفترة ويعودون وهم ممتلؤون باللهفة، ليقبلوا تراب تلك الأوطان ويكتشفوا أن التربة مالحة، والهواء الذي تخيلوه وهم بعيدون، نسيما رقراقا فاتنا، هو في الحقيقة رياح عاتية بلا أي قلب.
أتذكر منذ سنوات وأثناء زيارة لي، لبلادي، وكنت أود الدخول إلى أحد المستشفيات للقاء بعض الزملاء القدامى، أن وجدت شخصا متشنجا يصرخ عند البوابة، كان مريضا ولديه موعد لإجراء قسطرة تشخيصية للقلب، ومعه كل الأوراق التي تثبت ذلك، لكن الخفير الموجود عند البوابة، رفض إدخاله بإصرار غريب، كان الرجل يردد بالضبط، ما ردده بطل ماركيز، وهو أنه كان يعيش في الخارج، وعاد مجرجرا بالحنين، والآن يتمنى لو حملته ريح عاتية إلى حيث كان يعيش. تحدثت مع الخفير عن وجهة نظره في منع مريض من الدخول لإجراء عمليته، ولم تكن لديه وجهة نظر في أي شيء، مجرد خفير يحرس بابا، ويستطيع أن يقول نعم أو لا، بحسب مزاجه ولا أحد يهتم. إنه جزء من» برستيج» أخرق، لكن يرضي واحدا مثله.
أذكر أيضا تلك الإجراءات المطولة للخروج التي يواجهها العائدون في عطلاتهم من بلاد المهجر، إنها إجراءات، تجعل العائد يفكر فيها كثيرا، قبل أن ينساق إلى أي حبل من حبال الحنين، أو يرتدي أحد أرديته.
«مترو حلب» الرواية الأخيرة الممتعة للسورية مها حسن، تندرج تحت أدب الحنين بلا شك، الحنين الذي يزركش الحياة السابقة، ويحيلها جنة من الأفراح – ويجعل الراوية، مدرسة اللغة العربية لبعض العائلات الفرنسية، المنحدرة من حلب السورية، التي تجلس داخل مترو باريسي، تروي القصة من مترو يسير في حلب المتخيلة بدوافع كثيرة من الحنين، إنها حالة تمزق جبارة، تجعل الافتراضي واقعيا والواقعي افتراضيا، وتأتي بكل الشخصيات القديمة، وبكل ما كانت تسببه من فرح وتعاسة، إلى النص، بوصفها شخصيات مرح فقط. ليس داخل مترو حلب إلا زمن وفي رائع، بعكس مترو باريس الذي يحمل الخير والشر.
على نسق رواية مها، روايات أخرى عديدة بلا شك، وهناك من كتب حنينه بلغة البلد الذي يعيش فيه، على الرغم من أنه يكتب عن وطنه الأصلي، ولعل أمين معلوف، اللبناني، واحد من أولئك الذين لم تجرهم حبال الحنين، لكنها ألهمتهم.
....
٭ كاتب سوداني

   

التعليقات
   

حدوسات حدس اللحظة حدوسات حدس اللحظة

يسعى غاستون بشلار في حدس اللحظة إلى توضيح عدد من المفاهيم وإزالة الإلتباس عنها، ومنها توضيح الأساس الميتافيزيقي لفلسفته وما وضعت هذه الفلسفة من التفاصيل

المعلمة المعلمة

سخروا منه حتى خرجت السخرية من مناخيرهم، ألّفوا النكت التي استسخفت قصّة حبه لمعلّمته، رسموه رضيعا في أحضانها، وطفلا يركض على الشاطئ وهي تمسك بيده التفاصيل

الزمانُ المُستعاد أو الزمان المفقود الزمانُ المُستعاد أو الزمان المفقود

بقي هناك ما يُشير الى الدوافع المُتناقضة والعلاقة الصميمية ما بين الإنسان والحاجات التي تخدم أغراضه، وليس هناك من شك بأن الاستثناء شيءٌ عابرٌ وأن التفاصيل

السّحرية المُعقدة واستحالة السيطرة على الأشياء السّحرية المُعقدة واستحالة السيطرة على الأشياء

في البدء يأخذ النص السردي لدى ماركيز مجرياته ضمن الحياة العامة من أشياء متقاربة ومتلازمة المحتوى ويتم التعريف بحالته الإشتغالية ككيان معنون تعريفي التفاصيل

أحمد المديني باحثاً عن «ظل الغريب» أحمد المديني باحثاً عن «ظل الغريب»

من عتبة الغلاف الأخير لرواية أحمد المديني «ظل الغريب» (المركز الثقافي العربي، 2007) تبدأ اللعبة الروائية بالإيهام بالسيرية، إذ يخبر الكاتب أن بطل التفاصيل

الخوف من الكتابة الخوف من الكتابة

للكتابة غواية وإغراء، لها رهبة وهيبة، عالمها مثير، وباعث على الخوف في آن واحد، لكن أيّ نوع من الخوف ذاك الذي تثيره الكتابة في نفس الكاتب؟ هل يقتصر التفاصيل

صالح علماني : متى نكرّم المترجم ؟! صالح علماني : متى نكرّم المترجم ؟!

ما زلنا نحن العرب نباهي بتكريم الخليفة العبّاسي المأمون للمترجمين في عصره ، الذين حضّهم على نقل روائع الفكر اليوناني إلى العربيّة ، وكّل ما هو هّام التفاصيل




سرقة أسلحة من قاعدة للجيش الإسرائيلى سرقة أسلحة من قاعدة للجيش الإسرائيلى
أكد المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي، اليوم الأحد، أنه جرت عملية سرقة لحوالي 30 قطعة سلاح من مستودع...
الحكومة الفلسطينية تتهم حماس بتعزيز الانقسام والانفصال في غزة الحكومة الفلسطينية تتهم حماس بتعزيز
اتهمت حكومة الوفاق الوطني الفلسطينية، اليوم الأحد، حركة حماس التي تسيطر على قطاع غزة، بالعمل على تثبيت...
ترامب غاضب من الإعلام بسبب ترامب غاضب من الإعلام بسبب "الأكاذيب"
هاجم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اليوم الأحد، تقارير إخبارية معتمدة على مصادر مجهولة ووصفها بأنها مزيفة،...
قطر تدين هجوم المنيا رغم اتهامها بدعم المتطرفين قطر تدين هجوم المنيا رغم اتهامها بدعم
يشار إلى أن الدوحة، التي تدين الهجمات الإرهابية في مختلف أنحاء العالم، بل وتشارك رسمياً في التحالف الدولي ضد...
الأوقاف: الأوقاف: "الرحمة" بدلا من حسن البنا
أحال الشيخ محمد شعلان، مدير مديرية أوقاف البحيرة اليوم الأحد كل من، مدير إدارة دمنهور شرق وأحد المفتشين...

هل تتوقع حدوث اعمال ارهابية جديدة فى فرنسا؟

نعم
لا
لا اعرف






جريدة صوت البلد

© جميع الحقوق محفوظة لموقع جريدة صوت البلد 2017