facebook   twitter  youtube
الدكتور خالد غازي





أراء وكتاب
عبد الوهاب العريض
د. لنا عبد الرحمن
حسام أبو سعدة
د. عبدالرازق مختار


عن الأشياء التي لا تشبهنا.. والأشخاص الذين نحبهم

د.لنا عبد الرحمن () الإثنين, 09-يناير-2017   06:01 صباحا

شكرا لك ..! لقد تم ارسال المقال بنجاح .
اغلاق

ارسال » عن الأشياء التي لا تشبهنا.. والأشخاص الذين نحبهم
اسمك
بريدك الالكتروني
مرسل لبريد الكتروني
نص الرسالة


ارسال مقال ارسل | اضف تعليق|حفظ المقال حفظ|طباعة مقال طباعةاضف للمفضلة اضف المقال للمفضلة

العبارة المتداولة والشائعة التي رددها سارتر "الجحيم هو الآخرون"، لا يمكن تجاوزها بسهولة لحظة يلتقطها السمع أول مرة.

لكن، وباستثناء سارتر نفسه الذي علق على عبارته، الموصوفة بالسلبية، قائلا: "فُهمت دوماً على نحو خاطئ. اعتقدوا أنني أردت بذلك أنّ علاقاتنا بالآخرين يشوبها دائما الحذر والتوجس والخوف، بأنها كانت دائما علاقات جهنمية، إلا أنني أريد شيئا آخر تماماً.  أعني، إذا كانت العلاقات مع الآخر ملتوية وفاسدة، إذن لن يكون الآخر إلا الجحيم" لم يأت أحد ليعدل ولو قليلا من مسار العبارة قائلا : "ربما الجنة أيضا". يبدو هذا التعديل تحريف إيجابي إذا وضعنا بجانبه المثل الشعبي الشائع في بلاد الشام، والذي كانت أمي تردده عند رؤية مكان بديع وخال من البشر: "الجنة من دون ناس ما بتنداس" وإن كان يتناقض مع عبارة سارتر بربطه الجنان بوجود الآخرين، حيث غيابهم يُحرم دخول عتبات الجنة، والاستمتاع بمباهجها.

على كل حال، في العبارة الأصلية أو المعدلة نحن محاصرون، وعلينا دائما القبول بقانون لعبة قائمة على مطاردة السراب! هذا ما يجعلنا في تساؤل دائم: عن هوية هؤلاء "الآخرون" الذين شكلوا الجحيم بعينه، هل هم مقربون؟ هل هم بعاد؟ هل نحبهم ويحبوننا؟ هل نرفضهم ويكرهوننا؟ أي هوية داخلية يحملونها لنا كي يكونوا جحيما!

يفرض علينا الآخرون عالمهم، أشياءهم التي تتماس معنا أحيانا، وتفاصيل  قد لا تشبهنا مطلقا،وهذا الفرض يختلف حسب نوع الوصل الموجود، لكن أيا يكن ثمة دوائر ندخل إليها لحظة تواجدنا أو تماسنا مع أي آخر كان؛ بالتوازي مع دخول الآخر لدوائر نفرضها نحن عليه أيضا.

يبدو الأمر أشبه بمقايضة كبرى، متبادلة شكلا،مجحفة مضمونا لكلا الطرفين، المعادلة تقول : " أنا وكياني كله، في مقابل أنت وكيانك كله"، وينبغي على الكيانين أن يندمجا ويتعايشا ويصبحان واحدا، هذا موجود في العلاقات الزوجية، في الحب، وفي العلاقة بين الآباء والأبناء، وبين الأمهات والبنات، وبين الأخوة والأخوات، وهي حالات غير اختيارية في أغلبها، بل ويكون الآخر فيها بمثابة مرآة يخلف سواء بفقدانها أو التخلص منها انكسارات تلو أخرى.

* * *

صراع عميق بين الشريكين فرانك (ليوناردو دي كابريو) و أبريل (كيت وينسلت) في فيلم "Revolutionary Road" يعكس ما يشبه هذا الواقع؛ فإحساس أبريل بأن دورها في الحياة بات محصورا في البيت وتربية الأطفال، بعدما اعتزلت حياتها كممثلة مسرحية مبتدئة، جعلها تحلم بالانتقال إلى باريس، وتسعى لفرض ارادتها لاقناع زوجها تنفيذ هذه الخطوة، في المقابل يتحمس فرانك في بداية الأمر لكن حصوله على ترقية في وظيفته يدفعه للتسويف بالأمر. 

إلى ماذا يؤدي التسويف سوى إلى الموت النفسي والجسدي أيضا ؟! 

لم تتمكن  أبريل من الانتصار لذاتها، وأدركت أن حياتها ستمضي على ذات الوتيرة، وهي أصبحت  عاجزة عن الاستمرار لذا  تقدم على الانتحار عبر اجهاض نفسها حين تعرف أنها حامل بطفل جديد..

على نقيض عبارة أخرى، إيجابية هذه المرة، عرّف تيودور أدورنو الحب بكونه "القدرة على رؤية التشابه في المتباينات"، في الواقع لا نحصل على إجماع كلي بخصوص هذه العبارة، وإن بشكل مبدئى، ألسنا دائمي البحث عن التطابقات في الصغيرة والكبيرة؟ 

كلنا نعرف مثلا ماذا يقال عند تربية الحيوانات الأليفة حيث يُنصح باقتناء الكلب الأصغر سنا لأنه سيكتسب طباع صاحبه. في مجتمعنا العربي يتم ترديد عبارات مشابهة عند الزواج، بل إن الأغاني التي تتغنى بمعرفة وتماثل الطباع كثيرة أشهرها موال بدرية السيد: "يا حلو قللي طبعك وأنا أمشي عليه"، بالإضافة لأغنيات أخرى ومواويل من نوعية "لاقيت شكلي بقى شكلك وكأنك نفسي"، أو العودة للمثل الشعبي الشائع عربيا: "ابنك على ما تربيه، وجوزك على ما تعوديه"... وإذا كان من البديهي استحالة تجاهل ما تتضمنه هذه التعبيرات من ابتزاز عاطفي واضح، فإنه من ناحية أخرى يمكن اعتبار هذا النوع من الابتزاز موجود في العالم كله بأشكال مختلفة، لكنه يتخذ الشكل الممجد له أكثر في ثقافتنا العربية القائمة على التماهي الجماعي وإلغاء الهوية الفردية، بدءا من تربية الأطفال، وصولا لعلاقة الأفراد الناضجين ببعضهم بعض.

تثبت التجارب الإنسانية أن  الإندماج يؤدي إلى تلاشى كيان  في ظل كيان آخر، وربما يمر زمن طويل قبل أن يدرك الكيان المتلاشي ما حدث له وربما لا يدرك تشوهه  أبدا، ويستمر في عيش حياة عادية هو نفسه أصبح عاجزا عن التمييز إن كانت تمثله أم لا، تشبهه أم لا، لكن خوفه من المجازفة بفقد النمط الذي اعتاد عليه من التلقي يجعله قادرا على نسيان نداءات عميقة في ذاته. 

في كل العلاقات المذكورة سابقا يختلط الحب مع الحاجة إلى الأمان ومنذ لحظة الاختلاط هذه يبدأ الإنزواء. أب يهدد ابنه بأنه سيتخلى عنه لو اختار قرارا يختلف عن رغبته، أم تمارس كل الضغوط العاطفية الممكنة على أبنائها ليرضخوا لرغباتها، وزوج يلوح لزوجته بالجفاء إن لم توافق على اختياراته الحياتية، وفي كل هذه الحالات من الممكن تبادل الأدوار أيضا، أي أن يكون الأبناء هم المبتزون عاطفيا لذويهم، أو أن تكون الزوجة أو الحبيبة قادرة على اشعال حرائق كبرى وهكذا.. في النتيجة ثمة طرف مغبون في المعادلة، طرف عليه أن يمارس الاحتيال والتظاهر بأنه من عشاق البيتزا  وكرة القدم وموسيقى الروك..

لكن؛ ماذا سيحدث لو تجرأ الطرف القابع في الظل ورفض الحالة وقال: "لا".

فجأة يقرر أحد الأبوين عدم  الرضوخ لمطالب ابنه -ابنته- المادية لأنها تثقل كاهله.

فجأة، تنهار كثير من الزيجات بعد رحلة حياة طويلة،حيث في لحظة صدق يتمرد طرف ما على التماهي منتصرا لذاته، بينما يقف الطرف الآخر مشدوها مما يحدث، هل هذا يعني أنه كان جاهلا بوجود حالة من الرضوخ وليس الرضا؟

من المؤكد أن صاحب الظل العالي راهن فقط على احتجاب الشمس.

* * *

موسيقى جاز في خلفية المشهد، وصوت لويس أرمسترونغ قوي وحاد مثل رائحة تبغ ثقيل في سهول السافانا. لطالما بدت العلاقة مع موسيقى الجاز مُحيرة أشبه بالتورط في تجربة عقار  ما ثم الانغماس به.

العلاقة مع الآخرين كالطريق نحو الإدمان غير المقصود في البداية، لكنه يحتل المشهد كله بمرور الوقت، حين يتقلص العقل اليقظ إلى مساحة محدودة في مقابل العقل المغيب.

من الممكن لمتذوق الموسيقى الشرقية أن يستمتع بالجاز،هذا يحدث حتما، ومن الممكن أن يتظاهر بالاستمتاع حتى انتهاء الأغنية، لكن من الوارد أيضا إصابته بنوبة صداع وتوتر منذ اللحن الأول الغريب على سمعه.

 

   

التعليقات
   

حبال الحنين حبال الحنين

بالطبع، ومع اشتعال الحروب في بلدان كثيرة، وانتهاء عهد الاستقرار فيها، وحتى قبل ذلك بكثير، تبدو مسألة الهجرة من تلك البلدان، مطروقة بشدة، وأن كثيرين التفاصيل

بحثاً عن الفلسفة اللبنانية تفكيراً وتعبيراً بحثاً عن الفلسفة اللبنانية تفكيراً وتعبيراً

لم يعد التفكير الفلسفي العربي معبّراً عن طموحات العقائد الضيقة في الاستيلاء على الواقع، كما عند المتفلسفين الجدد. لقد تفلّت من أسواره، وانفتح على التفاصيل

سؤال في المنهج سؤال في المنهج

من الأسئلة التي نواجهها سؤال المنهج، وهل يختلف المنهج في الدرس النقدي والأدبي عنه في الدرس العلمي التجريبي؟ الاختلاف الجوهري لا يكمن في المباديء التفاصيل

رواية الخيال الواقعي رواية الخيال الواقعي

تضيق المسافة أحيانا بين الواقع والخيال إلى درجة يصعب معها التمييز بين ما هو خيالي، وما هو واقعي. وقد تتسع بينهما حتى يصبح كل منهما مفارقا للآخر التفاصيل

المنتج الثقافي، وتقنيات الثقافة الرقمية المنتج الثقافي، وتقنيات الثقافة الرقمية

لزمن طويل ظلت وسائط النشر الورقية مسيطرة على الحركة الإعلامية للأدب والثقافة منذ اختراع المطبعة، وحتى استخدام التقنيات المثلى للتعامل مع الطباعة التفاصيل

في هجاء التذكّر في هجاء التذكّر

ذلك المهاجر كان عليه ألا يعود إلى بلده أبدا. السنوات التي قضاها مقيما في مهجره، وهي ثلاثون سنة كاملة، كان ينبغي أن تستمر حتى انتهاء حياته. الغرق في التفاصيل

البوكر  دائما البوكر دائما

منتصف الأسبوع الماضي، أعلنت القائمة الطويلة، للجائزة العالمية للرواية العربية، أو البوكر كما يطلق عليها، بوصفها تحت رعاية جائزة مان بوكر البريطانية التفاصيل




كيف يُمكنُ الروائي بروست أن يُغير حياتك؟ كيف يُمكنُ الروائي بروست أن يُغير حياتك؟
استلهام حياة مشاهير الفكر والأدب في الأعمال السردية أصبح مدار اهتمام الروائيين الحاليين. فالأحداثُ المُتخيلة...
عوالم الشخصية في قصص عوالم الشخصية في قصص "نافذة على الداخل"
لا تخلو قصص "نافذة على الداخل" للكاتب المغربي أحمد بوزفور من بلاغة الوصف والواقعية الجديدة وعشق المرأة...
القاهرة .. مدينة الفن والحضارة القاهرة .. مدينة الفن والحضارة
يعد كتاب "القاهرة مدينة الفن والتجارة" من أهم الدراسات عن تطور العواصم الإسلامية لمصر، وبصفة خاصة مدينة...
علماء يكشفون موعد سقوط القمر فوق الأرض وانتهاء الحياة علماء يكشفون موعد سقوط القمر فوق الأرض
كيف ستنتهي الحياة على سطح كوكب الأرض؟ سؤال طالما حير العلماء، ودارت حوله دراسات وأبحاث لا حصر لها، ولكن ما...
الجزائر تقاضي فرنسا بسبب تجاربها النووية الجزائر تقاضي فرنسا بسبب تجاربها النووية
أعلنت الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان، أنها سترفع دعوى قضائية ضد باريس بسبب أضرار التجارب النووية...

هل تتوقع حدوث اعمال ارهابية جديدة فى فرنسا؟

نعم
لا
لا اعرف






جريدة صوت البلد

© جميع الحقوق محفوظة لموقع جريدة صوت البلد 2017