facebook   twitter  youtube
الدكتور خالد غازي





أراء وكتاب
أمير تاج السر
د. لنا عبد الرحمن
فاطمة الشيدي


«أحلام يوليو»..الخالدة في إذاعة الأغاني

عزت القمحاوي (السفير الثقافي) الجمعة, 29-يوليو-2016   08:07 صباحا

شكرا لك ..! لقد تم ارسال المقال بنجاح .
اغلاق

ارسال » «أحلام يوليو»..الخالدة في إذاعة الأغاني
اسمك
بريدك الالكتروني
مرسل لبريد الكتروني
نص الرسالة


ارسال مقال ارسل | اضف تعليق|حفظ المقال حفظ|طباعة مقال طباعةاضف للمفضلة اضف المقال للمفضلة

 

 

مَن يتجوّل في شوارع المدن المصرية في 25 يناير و30 يونيو و23 يوليو سينتابه شعور الارتياح بانسياب المرور الذي يميّز أيام الإجازات، مع الفارق بين العطلة العريقة والعطلتين الجديدتين.

ترتبط عطلة 23 يوليو بمفهوم «الشعب» الكتلة الموحّدة التي لم تعُد موجودة؛ فيوم الخامس والعشرين من يناير الذي تعتبره المعارضة المدنية والإخوان ثورة هي نكسة في عرف المرتبطين بنظام مبارك وهم أكثر بكثير من الطبقة التي انقلب عليها الضباط في 23 يوليو 1952، و30 يونيو التي قامت ضد الإخوان سرعان ما فقدت حماس المعارضات المدنية ليبقى لها مؤيّدو النظام فقط. وهكذا فإن عطلة 25 يناير و30 يونيو تتوزع دوافع إقرارها بين الاحتفال وبين الحاجة لإخلاء الشوارع تحسبًا لأحداث عنف.

وهكذا تتميّز عطلة 23 يوليو بالاطمئنان إلى رمزية الشعب الموحّد، لكن الثورة كحدث صارت منسية في واقع يناقض كل ما جاءت به من أحلام وطنية مصرية وقومية عربية. يوم العطلة هو المكسب الوحيد الباقي، يستفيد منه مَن يستطيع تمويل رحلة إلى مصيف في هذا الحر، بينما لا يفيد الفقراء إلا في إعفائهم ليوم من المهانة الحقيقية المتمثلة في معركة الوصول إلى أعمالهم عبر وسائل نقل متقشفة ومكتظة في شوارع ملوّثة مشلولة تجسّد التمثيل المادي لمعنى افتقاد الأمل!

على أن مناسبة الثورة التي انقلب عليها السادات عام 1970 تبقى حاضرة في رسائل تهنئة تصل إلى رئاسة الجمهورية كل 23 يوليو يرسلها مرؤوسون يتّخذونها فرصة لتجديد الولاء لساكن القصر، ورسائل تأتي من بعض القادة العرب بعضهم ألدّ أعداء 23 يوليو، كأنها تأتي احتفالاً بذكرى «وفاة الثورة».

والجهة الوحيدة التي تحافظ حتى على حرارة الاحتفال بالثورة هي الإذاعة. وقد خصّصت إذاعة الأغاني المصرية بثها طوال السبت الماضي للاحتفال بذكرى الثورة، وكل ما حملته من أحلام لا يمكن بأية حال فتحها على واقع مصر وواقع المنطقة اليوم.

الثورة بغتة !

الانقلاب الذي اتخذ اسم «الحركة المباركة» في البداية سرعان ما تحوّل إلى ثورة بالتفاف الشعب حوله، إذ لم يمضِ أكثر من شهر ونصف حتى صدر أول تحديد للملكية الزراعية. وقد ظلّ الاحتفال بـ «الثورة» ينمو في الأغاني عامًا بعد عام، التي اتسعت تباعًا لذكر كل منجز يجدّ أو توجّه يتبلور، وهكذا شارك كل نجوم الفترة الناصرية في إنتاج عدد ضخم من الأغنيات، يمكننا الآن أن نفرز من بينها تلك التي تنطوي على إيمان حقيقي، والأخرى التي تُمثل إثبات حسن نية وإعلان ولاء.

ومن بين الأغنيات المبكرة التي لا تحظى بشهرة عريضة أغنية محمد عبدالوهاب «اليوم فتحت عينيّ» كلمات حسين السيد: «اليوم فتحت عينيّ/ على صوت بينادي عليّ/ الدنيا بقت حرية». تكشف الأغنية طبيعة التحول الذي استيقظ الشعب فوجده قد تمّ، وستبقى كلمة «حرية» في الأغنية وأغنيات يوليو التالية واحدة من مبالغات الشعراء، لكن بعض كلمات الأغنية الفضّاحة تقول: «عاهدت الوطن الغالي/ أحكمه أنا وابني وخالي»!

للإنصاف؛ فالمعنى في ذلك الوقت يرمي إلى حكم الشعب مقابل حكم الأجانب البائد، لكن مآلات الواقع تجعله كأنه كان تأسيسًا لظاهرة التوريث وحكم العشيرة، العسكرية والدينية والأسرية، وهو أهم أسباب هبوب الربيع العربي المغدور.

ورغم بروز الثنائي (عبدالحليم حافظ / صلاح جاهين) كمعبّرين عن الثورة، إلا أن ما أعطاه محمد عبدالوهاب المخضرم مع شعراء مخضرمين لا يقل عددًا ونوعًا عما تركه الثنائي الشهير، من نشيد القسم إلى الوطن الأكبر، و «يا نسمة الحرية» لكن أغنيات وأناشيد عبدالوهاب ليست في شعبوية «يا جمال يا حبيب الملايين»، وربما هو الفرق بين غناء المؤمنين من أبناء المرحلة وبين غناء المخضرمين الذين كان عليهم أداء قسم الإخلاص!

مرتكزات الخلود الغنائي

على اختلاف درجات الصدق ترتكز الثورة الباقية في إذاعة الأغاني على شخص واحد وعدد من المنجزات المادية والمعاني والأحلام.

جمال المستبد العادل المتقشف الذي توحّدت معه الجماهير «ياللي حياتك هيا حياتنا» مات، وخلفه السادات الذي لم ينقلب على السياسات فحسب؛ بل على المسلك التقشفي الشخصي، الذي لن يراه المصريون في رئيس بعد.

المنجزات المادية ارتكزت أساسًا على تأميم القناة والسدّ العالي، والإنجازان متشابكان، حيث كان حلم بناء السدّ ورفض البنك الدولي تمويل المشروع السبب الرئيسي في تأميم القناة بما صاحبه من معاني الحرب على الاستعمار وتحدّيه. المعنى الذي لم يعد قائمًا منذ تسلّم السادات للسلطة.

السدّ كمنجز ضخم تفرّعت عنه منجزات تحقيق الأمن المائي وزيادة الرقعة الزراعية وتأمين حياة القرى من الفيضان وتبديد ظلامها بكهرباء السد وحركة التصنيع الكبرى التي اعتمدت على المصدر ذاته، وكل هذا أصبح اليوم في خبر كان. الزراعة تعرّضت للاحتقار؛ فتآكلت الرقعة الزراعية في الدلتا ووادي النيل إلى خمسة ملايين فدان بعد أن ارتفعت إلى ثمانية، والمصانع تم بيعها في فترة النهب الكبرى المباركية، وأصبحت طاقة السد الكهربائية هامشية لا تتجاوز العشرة بالمئة من استهلاك مصر، أما التحدي الأكبر فقد جاء من أثيوبيا بسد النهضة المناهض للسد العالي، لتتقوّض أغنية عذبة أخرى ـ من خارج سياق أغاني الثورة ـ فالنجاشي حجب النيل، لتتحوّل أغنية «النيل نجاشي» إلى «النيل ما جاشي» في سخرية لاذعة وقلقة يردّدها المصريون اليوم!

العروبة..حلم فيه سمٌّ قاتل!

ابتسم عبد الناصر من قلبه وصفق عندما سمع «ضربة كانت من معلم/ خلت الاستعمار يبلِّم» في الاحتفال الذي انطلقت فيه «حكاية شعب» وقد ساهمت الأغنية في إعطاء مشروع بناء السد وتأميم القناة صورة المعركة مع الاستعمار، وتبلور مع تلك المعركة الحلم العروبي في بلد استقرّ في ضمير أبنائه كوكبًا مستقلاً ومكتفيًا بذاته على مدى القرون.

وقد هزم الواقع يوليو وعبد الناصر في معركة «الحرب على الاستعمار وأعوان الاستعمار». انهزم في اليمن وفي يونيو حزيران 1967. وتحوّلت الأغنية من الفرح بالتحدي إلى التعهد بالثأر «أحلف بسماها وبترابها». لكن مفاهيم العروبة واسم فلسطين والتحرير كانت قد ترسخت في عشرات الأغاني بينها واحدة تعيد تنسيب الثورة المصرية إلى الأمة العربية بل والمحيط الإفريقي الآسيوي «أنا بنت الأمة العربية، مصرية سورية جزائرية، أنا عراقية فلسطينية، أنا نهضة آسيا وأفريقيا، أنا طول عمري أعيش لعروبتي فوق العالم أرفع رايتي». وقد نجح حلم يوليو في تدعيم حركات التحرر في بلدان عربية وأفريقية عديدة، ونجح عبدالناصر في أن يكون أحد ثلاثة أقاموا بجسارتهم حركة عدم الانحياز، فقد بقي هتاف «يا فلسطين راجين راجعين» مجرد وعد؛ إذ انطفأ عبدالناصر عشية معالجة الحلم العربي خالدًا إلى نومه الأخير بعد شقاء لملمة فتنة أيلول الأسود.

الاقتتال الأردني/ الفلسطيني الذي كان عارًا بمعايير أيلول 1970 وأودى حزنه بحياة الزعيم الحلم، يتضاءل اليوم في زمن الهوس الداعشي ودول الطوائف التي تستميت كل الأطراف الإقليمية والدولية لترسيخها، ولن تستطيع إذاعة الأغاني وحدها بعث أحلام يوليو الكبرى!

 

   

التعليقات
   

أنا القمر أنا القمر

كتابات الخرافات التي يأتي ذكرها وتمثلها على ألسنة الحيوانات أو الطيور والأشجار والرياح والأنهار وكل مظاهر الطبيعة، ومحاولة أنسنتها، بوضعها في ظروف التفاصيل

خطاب التنوير في مواجهة راديكالية المعرفة خطاب التنوير في مواجهة راديكالية المعرفة

تظل كلمة التنوير شائكة وشائقة لأولئك المتربصين والمكترثين بكل منتج كلامي أو كتابي يتعلق بالعقل المهموم بتقصي العقيدة أو النصوص التراثية أو حتى التفاصيل

يحزنني بوشكين في كل مرّة يحزنني بوشكين في كل مرّة

فعلت ثقافة مصر شيئاً جميلاً بنصب تمثال فني مميز للشاعر الروسي الفذ ألكسندر بوشكين، في "حديقة الحرية" أمام دار الأوبرا المصرية، وذلك في شهر أبريل/ التفاصيل

عليم القراءة عليم القراءة

قرأت منذ فترة إعلانا عن ورشة لتدريب من يرغب بالاشتراك فيها، على كيفية قراءة الكتب، وكتابة المراجعات في الصحف والمجلات أو مواقع الإنترنت المهتمة التفاصيل

كازانوفا وجوته ومتعة القراءة كازانوفا وجوته ومتعة القراءة

القراءة كتعبير عن الانشغال بالذات، زاد روحي وعقلي دائم موصول بقصص وحكايات عن أشواق التجربة الإنسانية وعذاباتها. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه بداية هو التفاصيل

" قصر الأحلام " .. التنقيبُ عن وجه آخر للصراع

على الرغم من حالة طغيان العلم على حياة الإنسان ومُحاولة تفسير الظواهر المحايثة للكائن الإنساني، وفقاً للمنهج العلمي ونزع طابع الغرابة والسحرية من التفاصيل

اللاوعي الجهة المنفذة للنظام الرقابي اللاوعي الجهة المنفذة للنظام الرقابي

يقدم الشعر مثالا حيا على مجمل التحولات النفسية التي تحدث تحت تأثير الأزمات، وفي الشعر وتحت ظل ظروف ما يختلط العام بالخاص خصوصا في تلك التي تسمى التفاصيل




مثقفون جزائريون يدعون إلى قراءة جديدة لـ مثقفون جزائريون يدعون إلى قراءة جديدة
دعا مثقفون جزائريون إلى تثمين الإرث الفكري والثقافي الذي خلفه الباحث والمفكر محمد أركون، الذي كرس حياته...
حقوق العمال في مصر الفرعونية.. كيف كانت ؟ حقوق العمال في مصر الفرعونية.. كيف كانت
لم تكن حقوق العمال منحة استجدها العاملون من الدولة حديثا، لكنها سرا قديما ضمن الأسرار التي عصيت الدولة...
بابلو نيرودا شاعر التساؤل الميتافيزيقي بابلو نيرودا شاعر التساؤل الميتافيزيقي
كان بابلو نيرودا، شاعر تشيلي الأعظم (1904 – 1973) في مطلع حياته الشعرية، يحسب حساباً لولت ويتمان الأميركي...
الخليل.. نبع الحضارة والتاريخ العتيق الخليل.. نبع الحضارة والتاريخ العتيق
الخليل.. مدينة فلسطينية قديمة تقع في جنوب الضفة الغربية، على بُعد 30كم (19 ميلاً) إلى الجنوب من القدس، وترتفع...
مصطفى نصر يبحث في أوراقه القديمة مصطفى نصر يبحث في أوراقه القديمة
"البحث في الأوراق القديمة" كتاب جديد للروائي مصطفى نصر، يضم بين دفتيه مقالات متنوعة في مختلف المجالات، فيتاول...

هل تتوقع حدوث اعمال ارهابية جديدة فى فرنسا؟

نعم
لا
لا اعرف






جريدة صوت البلد

© جميع الحقوق محفوظة لموقع جريدة صوت البلد 2017