facebook   twitter  youtube
الدكتور خالد غازي





أراء وكتاب
أمير تاج السر
د. لنا عبد الرحمن


كوثر عظيمي تروي مغامرة إدمون شارلو الأدبية

أنطوان جوكي (الحياة:) الثلاثاء, 07-نوفمبر-2017   01:11 صباحا

شكرا لك ..! لقد تم ارسال المقال بنجاح .
اغلاق

ارسال » كوثر عظيمي تروي مغامرة إدمون شارلو الأدبية
اسمك
بريدك الالكتروني
مرسل لبريد الكتروني
نص الرسالة


ارسال مقال ارسل | اضف تعليق|حفظ المقال حفظ|طباعة مقال طباعةاضف للمفضلة اضف المقال للمفضلة

إدمون شارلو (1915 ـ 2004) لم يكن مجرّد ناشر من بين ناشرين فرنسيين كثر نشطوا خلال القرن العشرين. إنه عبّارٌ أدبي مميّز ومغامر تمكّن في سنّ الواحدة والعشرين، وبإمكانات مادية محدودة، من تحقيق حلمٍ جميل: خلق فضاءٍ حيوي لنشر الكتب الأدبية وبيعها وإعارتها، في العاصمة الجزائرية، حيث وُلدِ وعاش الجزء الأكبر من حياته، وأيضاً عرض أعمال فنية وتنظيم لقاءات ثقافية مهمة. هكذا، تأسّست عام 1936 مكتبة «ثراؤنا الحقيقي» ونشر صاحبها فيها النصوص الأولى لأسماء أدبية أوروبية وعربية كبيرة، مثل ألبير كامو ولوركا وأندريه جيد وجول روا وفيرجينيا وُلف وألبرتو مورافيا وإمانويل روبليس، وأيضاً ألبير قصيري وجان عمروش ومحمد ديب ومولود فرعون وكاتب ياسين، قبل أن تفجّر «المنظّمة المسلّحة السرية» الفرنسية مكتبته عام 1961، من دون أن تتمكّن من النيل من همّته.
ولا شكّ في أن خطر النسيان الذي يتهدد مسيرة هذا الناشر المجيدة هو الذي دفع الكاتبة الجزائرية الشابة كوثر عظيمي إلى اختيارها موضوعاً رئيساً ومحرّكاً سردياً لروايتها الجديدة، «ثراؤنا الحقيقي» (دار «سوي» الباريسية) وتتوق، بموازاة خطــّها بورتريه دقيــقاً ومؤثّراً لإدمون شــارلو، إلى إعادة قراءة تاريخ الجزائر الحديث، ومن خلال ذلك، إلى تسليط ضوءٍ كاشف على الوضع المأساوي لهذا البلد اليوم.
فرادة مسعى عظيمي في هذا العمل تكمن أولاً في كتابتها نصّه كروائية وليس كمؤرّخة. وبالتالي، بدلاً من سيرة تقليدية لناشر معروف أصدر أكثر من 300 عنوان أدبي مهم في ظروفٍ صعبة، تمنحنا الكاتبة رواية حقيقية يلعب الخيال فيها دوراً كبيراً على مستويين. فمن جهة، تتخيّل دفتر يوميات لشارلو يغطي الفترة الممتدة من حزيران(يونيو) 1935 وحتى تشرين الأول (أكتوبر)1961، وتشكّله عظيمي انطلاقاً من مصادر أرشيفية متنوّعة حوله، الأمر الذي يعيد إحياء هذه الشخصية المثيرة وصوتها الخاص على طول الفترة المقاربة. ومن جهة أخرى، تبتكر قصة متخيلة لشخصيتين مستوحيتين من الواقع الجزائري الراهن: الطالب رياض الذي أتى من باريس إلى الجزائر لإجراء تدريب مهني هدفه تصفية محتويات مكتبة «ثراؤنا الحقيقي» المحكومة بالتواري والتحوّل إلى متجر لبيع الكعك المحلّى، وعبدالله العجوز الذي اشتغل طوال حياته في هذه المكتبة وعاش سنواتها المجيدة، وأيضاً تلك التي أصبحت فيها مكتبة عامة لاستئجار الكتب، قبل أن تقرّر وزارة الثقافة الجزائرية إغلاقها عام 2017.
وبفضل مهارتها السردية اللافتة وقدرتها المدهشة على خلق المناخات المرجوّة، تنجح الكاتبة في تشييد هاتين القصّتين وجرّنا إلى الغوص فيهما، متفهّمين خياراتها. فهي كجزائرية، من الطبيعي أن تهتم بماضي بلدها الكولونيالي وتعمد إلى كشف سلبياته. وكشابة عاشت طفولتها في الجزائر خلال العشرية السوداء، لا تفاجئنا رغبتها في فضح ممارسات النظام الجزائري الراهن الذي يخنق الحرّيات ويغلق المكتبات بدلاً من دعمها. وكروائية، نستشفّ متعتها في بلبلة الحدود بين السيرة والخرافة، وبالتالي في جعل روايتها نشيد احتفاء بالأدب والقراءة كفعل مقاومة.
وكما لو أن ذلك لا يكفي، تعمد عظيمي في «ثراؤنا» إلى توجيه تحية للجزائر العاصمة، بعيداً عن الكليشيهات المتداولة عنها. وفي هذا السياق، يفتننا خصوصاً مدخل الرواية وخاتمتها اللذان نتنقّل فيهما داخل هذه المدينة الساحرة التي تربط الكاتبة بها «مشاعر الحب السرّية» نفسها التي تحدّث كامو عنها في نصّه «صيف في الجزائر». مدينة كتب صاحب «الغريب» فيها: «هنا، على الأقل، الإنسان راضٍ، ومتأكّد من رغباته، وقادر إذاً على قياس ثرائه». وفعلاً، وبخلاف الطريقة السوداوية التي صوّر رشيد بوجدرة أو الطاهر جاووت فيها العاصمة الجزائرية، تدعونا عظيمي إلى سفرٍ ممتع، لكن بصير، داخل هذه المدينة التي «تشرق الشمس منذ قرونٍ على ساحاتها، ونقتل منذ قرونٍ في الساحات نفسها». سفرٌ في الشوارع والأحياء والمقاهي المحيطة بمكتبة شارلو، وسفرٌ في ماضي هذه المكتبة العريقة نتشبّع خلاله بأجوائها ونلتقي بالشخصيات الأدبية المهمة التي كانت تتردّد عليها.
ومن دفتر يوميات صاحبها، نتعرّف عن قرب إلى إدمون شارلو الذي عاش كل فترة الثورة الجزائرية في هذه المدينة، وحاول البقاء فيها كمراسل ثقافي لـ «إذاعة فرنسا» بعد تفجير مكتبته ونيل الجزائر استقلالها، قبل أن يضطر إلى المغادرة في نهاية 1962. نتعرّف أيضاً إلى الظروف التي أسّس فيها مكتبته، إلى طبيعة العلاقات التي نسجها مع الكتّاب الذين اكتشفهم ونشر نصوصهم، وإلى المشاكل الجمّة التي واجهها للاستمرار في مغامرته، وفي مقدّمها المشكلة المادّية ولكن أيضاً عدم توافر الورق والحبر أثناء الثورة الجزائرية ومنافسة دور النشر الباريسية الشرسة له لدى فتحه فرع باريسي لداره. دفترٌ نطّلع فيه أيضاً على بعض تأمّلات شارلو في الاستعمار الفرنسي للجزائر التي تستخلصها الكاتبة من مراجع مختلفة ويتجلى فيها موقفه السلبي الصريح منه.
ولا تهمل عظيمي الأحداث الدموية لتلك المرحلة من تاريخ وطنها، بل ترصد لها فصولاً خاصة قصيرة تنقضّ فيها بلا مواربة على سياسة فرنسا في الجزائر، مصوّرةً بطش جيشها بالأبرياء العزّل وهمجيته خلال تظاهرات مدينة سطيف عام 1945، وعمليات القتل المنهجية التي ارتبكتها الشرطة الفرنسية في باريس بحقّ المتظاهرين الجزائريين خلال تظاهرة أكتوبر 1961.
باختصار، رواية ناجحة وساحرة سواء بلغتها الرقيقة والنضرة، حتى لدى وصفها جرائم المستعمِر، أو بصرحها الفريد وغير التقليدي، أو بالطريقة المبتكَرة التي اتّبعتها الكاتبة فيها لسرد مسيرة رجلٍ خلّاق شكّل نموذجاً في طاقته وفضوله وعزمه على خدمة قضية الأدب النبيلة، وفي نضاله كناشر مستقلّ ومنفتح على الآخر حتى بعد تفجير مكتبته وعودته إلى وطنه، كما تشهد على ذلك المكتبة الثانية التي أسسها في جنوب فرنسا بعنوان «الحي العالي»، والنصوص التي نشرها لجان سيناك وجول روا وغيرهما في سلسلة «متوسّط حيّ» التي أشرف عليها داخل دار «دومينس». وإذ تركّز عظيمي روايتها على السنوات الجزائرية من نشاط شارلو، فلأن هذه الفترة تبقى الأهم من مسيرته، ولأنها تشكّل أيضاً خير مرآة لكشف مساوئ مرحلة الاستعمار، وفي الوقت نفسه، غناها الثقافي مقارنةً بجفاف الزمن الجزائري الراهن.

   

التعليقات






شكرا لك ..! سوف يتم عرض التعليق بعد التدقيق .



   

نجم كاظم يصور الأميركي في روايات عربية نجم كاظم يصور الأميركي في روايات عربية

يقول الناقد العربي العراقي أ. د. نجم كاظم في كتابه "أمريكا والأمريكي في الرواية العربية": وصفت الرواية العربية الأميركي بالشخصية القبيحة، وذلك لما التفاصيل

فكرة ترجمات معاني القرآن الكريم في اللغات الأوروبية فكرة ترجمات معاني القرآن الكريم في اللغات الأوروبية

عندما استقر المسلمون في بعض البلدان المجاورة للغرب (أوروبا)، بخاصة في بلاد الشام وفلسطين ومصر، ثم بعد ذلك في قلب أوروبا بالأندلس، بدأ الاهتمام يتزايد التفاصيل

"ضوء العتمات" .. مختارات شعرية لمحمد بنيس

يضم كتاب "ضوء العتمات" بين دفتيه مختارات شعرية تشمل نحو 70 قصيدة للشاعر المغربي محمد بنيس، والذي عرف عنه أنه من أوائل من تصدوا لتجديد الشعر العربي التفاصيل

الوعي والسرد كل لا يتجزأ الوعي والسرد كل لا يتجزأ

ينطلق د. مصطفى عطية في كتابه "الوعي والسرد" من أن السرد ليس إلا عملا فنيا، وأي عمل فني لا ينفصل عن الوعي بكل تجلياته، فلا سبيل لإنشاء سرد أو الغوص التفاصيل

شواهد ليل .. الخطيئة امرأة في مجتمعاتنا العربية شواهد ليل .. الخطيئة امرأة في مجتمعاتنا العربية

"شواهد ليل" هي المسرحية الأردنية المشاركة في الدورة العاشرة لمهرجان المسرح العربي بتونس وضمن المسابقة الرسمية.عمل احتضنه فضاء "الفن الرابع" مساء التفاصيل

شخصيات كفى الزعبي تواجه الأفق المسدود شخصيات كفى الزعبي تواجه الأفق المسدود

لا تبدو رواية «شمس بيضاء باردة» (دار الآداب، 2018) للكاتبة الأردنية كفَى الزعبي، نشازاً بالنسبة إلى السياق الذي يعيش فيه الفضاء العربي منذ ثلاثة التفاصيل

" هنا الوردة" لأمجد ناصر.. رواية الإرباك النقدي

يربك أمجد ناصر تلقينا للرواية العربية في «هنا الوردة» الصادرة عن دار الآداب، ليس فقط من حيث طبيعة اللغة الروائية وشاعريتها، بل حتى في طرائق بناء التفاصيل




مفهوم الشعر .. دراسة في التراث النقدي مفهوم الشعر .. دراسة في التراث النقدي
تراثنا فى النقد الشعرى تراث ثرى لم تكتشف كل جوانب ثرائه بعد ، وذلك بسبب ما ضاع من هذا التراث ، وعدم دراسة كل...
فكرة ترجمات معاني القرآن الكريم في اللغات الأوروبية فكرة ترجمات معاني القرآن الكريم في
عندما استقر المسلمون في بعض البلدان المجاورة للغرب (أوروبا)، بخاصة في بلاد الشام وفلسطين ومصر، ثم بعد ذلك في...
"ضوء العتمات" .. مختارات شعرية لمحمد
يضم كتاب "ضوء العتمات" بين دفتيه مختارات شعرية تشمل نحو 70 قصيدة للشاعر المغربي محمد بنيس، والذي عرف عنه أنه...
رسوم متحركة تستقبل عودة السعوديين لدور السينما رسوم متحركة تستقبل عودة السعوديين لدور
بدأت السعودية مطلع هذا الأسبوع عرض أفلام سينمائية طويلة من الرسوم المتحركة للأطفال وذلك في قاعة مؤقتة للعروض...
السرياليون والإنتقال الى العالم الإنكاري السرياليون والإنتقال الى العالم الإنكاري
إعتبر السرياليون الواقعية بأنها حركة ناقصة بل وعابرة وأضافوا اليها بأنها غير صافية وإن هذا المذهب قد جرفه...

هل تتوقع ان تستجيب قطر لمطالب الدول المقاطعة لها؟

نعم
لا
ربما






جريدة صوت البلد

© جميع الحقوق محفوظة لموقع جريدة صوت البلد 2018