facebook   twitter  youtube
الدكتور خالد غازي





أراء وكتاب
أمير تاج السر
د. لنا عبد الرحمن


الواقع السوري في مسرحية من دون خشبة ولا كلمات

سوزان المحمود (الحياة:) الخميس, 19-اكتوبر-2017   03:10 صباحا

شكرا لك ..! لقد تم ارسال المقال بنجاح .
اغلاق

ارسال » الواقع السوري في مسرحية من دون خشبة ولا كلمات
اسمك
بريدك الالكتروني
مرسل لبريد الكتروني
نص الرسالة


ارسال مقال ارسل | اضف تعليق|حفظ المقال حفظ|طباعة مقال طباعةاضف للمفضلة اضف المقال للمفضلة

كيف يمكنك أن تقول كلّ شيء من دون أن تقول أيّ شيء في اثنين وعشرين دقيقة، من دون أن تستخدم كلمة أو ممثلاً أو أياً من أدوات المسرح التقليدية بما فيها الخشبة؟ الجواب قد يبدو بديهياً، لكنّ مشاهد مسرحية «تغفيق» يكتشف أنّ الأمر ممكن. فالعرض- وهو نتاج محترف يقدمه السينوغراف غيث المحمود مع طلاب وخريجي المعهد العالي للفنون المسرحية في دمشق- ينتمي إلى ما بات يُعرف بـ»المسرح المتعدد الوسائط»، وهو أحد الفنون الحداثية.
تعتمد المسرحية على الجمهور وليس على الممثلين، وتولي التقنيات البصرية والسمعية اهتماما كبيراً، بحيث يمكن استخدام كل ما هو متاح بغية تقديم أفكار ومفاهيم مجردة. إنّه عرض يسمح لك بمتابعة فنّ مسرحي جديد وجميل، قائم على خطاب بصري سمعي مختلف، بإمكانات مادية محدودة لا تتجاوز الـ400 دولار، وإنما بمجهود بشري كبير عبر فريق عمل فني شغوف بما يفعل.
تقوم السينوغرافيا والتقنيات المتعددة على تحريض عقل المتلقي واستفزازه من خلال عرض لوحات فيديو وصور ورسوم متلاحقة على شاشات ومجسمات تحيط بعدد محدود من الجمهور ضمن استديو واحد. وعن هذه التجربة يقول السينوغراف غيث المحمود: «يعتمد العرض على صور غير مترابطة، اي على الذاكرة العشوائية غير المنظمة، التي يُعاد ربطها وتنظيمها في علاقات، ضمن ذهنُ المتلقي، بحيث أن جميع الصور المُسقطة على الأغراض، يمكن ان تعني شيئاً مختلفاً لكل متلقي. إنه عرض تجهيزي مفاهيمي يعتمد على الفن التركيبي».
تبدأ الغرابة من عنوان العرض «تغفيق». والتغفيق مصطلح توصف فيه حالة الذهن في بداية النوم وقبل الدخول بالحلم، بحيث تعمل الحواس الخمس لمدة دقائق، ما بين الحلم والواقع، وهي إحدى فترات الإبداع أو الإلهام أو التذكّر الخاص، عند المبدعين والناس العاديين على حد سواء. لكنها فترة إنتاج خاصة عند المبدعين، بين الوعي واللاوعي، يلعب العرض السينوغرافي لعبته. عدد الحضور لا يتجاوز العشرين، يجلسون متقاربين على عشرين كرسي صغير دوار، في منتصف المسافة بين شاشتين وبين سطوح تحمل كتل مجردة. يدور العرض على شاشتين متقابلتين، واحدة أمامهم وواحدة خلفهم. إضافة إلى الإسقاط على النافذة والباب للاستديو وعلى كتل بيضاء مجردة تتخذ أشكال متعددة تستخدم كمنصات للإسقاط، فيتم العرض على أكثر من سطح بجوار المتلقي، الذي يبقى مشحوذ الذهن لمدة اثنين وعشرين دقيقة.
يبدأ العرض من لوحة سقوط الألوان الحارة في الماء، حيث تتمدّد رويداً رويداً. وربما تحيل تلقائياً إلى مشهد الدماء في ذهن المتلقي. ومن ثم تأتي الالوان الباردة التي تذكر ربما بالدمار، قبل ان يتسرب المشهد إلى الشاشة المقابلة، لنرى مجسمات بنايات تشتعل حينا في شكل رمزي ثم تهدأ ثم تظهر بشكل مختلف وتقضي الليل منارة او تختفي، فتُذكر بالبشر نياماً ومستيقظين وأحياء وقتلى.
يقدم العرض عشر لوحات فيديو مصورة بإتقان تسقط على الشاشات. وتنتقل الكتل الحيادية المجسمة من لوحة إلى أخرى بسلاسة حُلمية. إحدى تلك اللوحات تعتمد على ذاكرة طفل مثلاً، كمشهد الوعاء الزجاجي الذي تحفظ فيه الكرات الزجاجية الصغيرة التي يلعب بها الأطفال في الشارع كلعبة جماعية تقوم على المشاركة، وكيف يتشظى هذا الوعاء رويداً رويداً ويتسرب الحلم مع الكرات. ثم لوحة زجاجات حليب الأطفال الرضع التي تسقط وتحيل إلى نطف تتسرب عبر السطوح المستوية المجردة لتتحول إلى صورة جنين مسقطة على إحدى الكتل الكروية مع التأثيرات الصوتية المذهلة وكل ما يحيل على الحياة الجديدة. ثم إلى لوحات صغيرة كاللوحات الطرقية منها ما هو مسموح كالعنف والضرب وغيرها، ومنها ما هو ممنوع النساء مع أطفالهن والرجال والأولاد، كلها لوحات تبسيطية لها دلالاتها الرمزية الخاصة. وفي لوحة مميزة تنتقل الكاميرا حاملةً معها المشاهدين في طريق شديد الانحدار وكأنهم في قطار سريع ينفرج الدرب بعدها على ضفتي طريق في غابة أشجارها عارية كأن الشتاء داهمها فجأة. وهناك اللوحة المؤثرة التي تقدم قدمي كائن إنساني غريق، قدمين ضخمتين، منتفختين، ومتفسختين، رماديتين، كأنهما استوطنتا قاع البحر منذ فترة، تسقط بعد قليل فوقهما حقائب وأمتعة صغيرة ملونة لمسافرين آخرين، ثم ينطلق صوت دقات قلب عنيفة ويسقط اللون الأحمر مجدداً في الماء.
الفضاء المسرحي المشحون يحاصر المتلقي من كل الجهات، ربما تفتح له نافذة على الشارع لتذكره للحظة بالطريق التي أتى منها ثم تعيده الى قلب الاستديو، عرض سوريالي بامتياز، لا يمكنك أن تمسك به، قُدِّم بطريقة جيدة وتركَ أثراً كبيراً يمكن ملاحظته على وجوه الجمهور عند خروجهم من العرض.
ليس سهلاً أن تنتشل الجمهور من حالة اللامبالاة وتخرجهم من بيوتهم ليحضروا عرضاً فنياً جديدا كل الجدة على الجمهور السوري، وربما الأكثر صعوبة أن تنتشل الطلاب من حالة لامبالية لتستفزهم وتخرج منهم طاقاتهم الكامنة، وتضفر مواهبهم واختصاصاتهم معاً لتقدم عرضا فنياً جيداً، بخاصة في عمل كهذا يجب أن تتوافق وتتزامن فيه الحركة والصورة والصوت والإضاءة. إذ إن أي خطأ فني أو تقني صغير أو عطل مفاجئ سيخرب العمل تماماً. ونحن نعلم أن إحدى وظائف الفن المسرحي بأشكاله التقليدية والحديثة أن يترك أثراً عميقاً في وعي المتلقي، وأن يحدث صدمة غير مباشرة لهذا الوعي وهذا ما صنعه عرض «تغفيق».
كان السينوغراف غيث المحمود قد حاز مع طلابه وبمشاركة ميار النوري جائزة أفضل فيلم انيميشن ضمن مهرجان أورلاندو بلفوريدا عن فيلم «ثقب» 2016 وهو أيضاً كان نتاج ورشة عمل مع الطلاب، شارك الفيلم في مهرجانات عالمية وعربية عدة.

   

التعليقات






شكرا لك ..! سوف يتم عرض التعليق بعد التدقيق .



   

مارجريت أتوود وقوى خارقة للطبيعة مارجريت أتوود وقوى خارقة للطبيعة

كل ما عليك فعله هو مواصلة الكتابة. عبر هذه الجملة البسيطة تختصر مارغريت أتود وصف علاقتها مع الكتابة بكل ما فيها من مسرات وآلام ، لأنها ترى أن على التفاصيل

عبده وازن شاعر المعرفة الجريحة عبده وازن شاعر المعرفة الجريحة

في سياق التنوع الذي يشير إليه الشاعر العراقي محمد مظلوم في مقدمته المدققة والمتقنة للمختارات المعنونة: «قليلاً مِنَ الذهب أيتها الشمس» (الهيئة العامة التفاصيل

دلالة الحرب في رواية دلالة الحرب في رواية "فسحة للجنون" لسعد محمد رحيم

عن دار سطور في بغداد صدرت للروائي العراقي سعد محمد رحيم روايته الجديدة (فسحة للجنون)(1). وهي رواية عسكرية في إطار إنساني. وتتابع حكاية غرام نهلة التفاصيل

منير كنعان و «عفوية» الفن منير كنعان و «عفوية» الفن

تعكس أعمال الفنان المصري الراحل منير كنعان ثراء تجربته الممتدة منذ أربعينات القرن الماضي وحتى وفاته عام 1999. الخطوط المنسابة بسلاسة على سطح الورق التفاصيل

كائنات لنا عبد الرحمن في «صندوق كرتوني يشبه الحياة» كائنات لنا عبد الرحمن في «صندوق كرتوني يشبه الحياة»

على رغم أن شخصيات قصص الكاتبة اللبنانية لنا عبدالرحمن في مجموعتها «صندوق كرتوني يشبه الحياة» (الهيئة المصرية العامة للكتاب/ سلسلة الإبداع العربي)، التفاصيل

أسعد عرابي في معرض بيروتي أسعد عرابي في معرض بيروتي

انطلق معرضٌ استعاديٌّ للرسام والناقد أسعد عرابي بعنوان «إطفاء الجمر في الصقيع» (غاليري أيّام - بيروت)، على أن يستمر حتى منتصف الشهر المقبل. ويأتي هذا التفاصيل

أبو شاور وجلول يصدران كتاب عن أبو شاور وجلول يصدران كتاب عن " القضيو الفلسطينية "

يصدر قريبا عن دار الفاربي ببيروت كتاب عن القضية الفلسطينية في مئويتها الثانية لمجموعة من الكتاب العرب ، وسيتم عرضه في معرض بيروت للكتاب وهو هدية التفاصيل




مارجريت أتوود وقوى خارقة للطبيعة مارجريت أتوود وقوى خارقة للطبيعة
كل ما عليك فعله هو مواصلة الكتابة. عبر هذه الجملة البسيطة تختصر مارغريت أتود وصف علاقتها مع الكتابة بكل ما...
عبده وازن شاعر المعرفة الجريحة عبده وازن شاعر المعرفة الجريحة
في سياق التنوع الذي يشير إليه الشاعر العراقي محمد مظلوم في مقدمته المدققة والمتقنة للمختارات المعنونة:...
دلالة الحرب في رواية دلالة الحرب في رواية "فسحة للجنون" لسعد
عن دار سطور في بغداد صدرت للروائي العراقي سعد محمد رحيم روايته الجديدة (فسحة للجنون)(1). وهي رواية عسكرية في...
الشخصيات الحقيقية للروايات العربية والأجنبية الشخصيات الحقيقية للروايات العربية
يعاني كتاب القصة والرواية من الشخصيات الحقيقية لقصصهم ورواياتهم – فمن الممكن أن تطاردهم هذه الشخصيات -...
منير كنعان و «عفوية» الفن منير كنعان و «عفوية» الفن
تعكس أعمال الفنان المصري الراحل منير كنعان ثراء تجربته الممتدة منذ أربعينات القرن الماضي وحتى وفاته عام 1999....

هل تتوقع ان تستجيب قطر لمطالب الدول المقاطعة لها؟

نعم
لا
ربما






جريدة صوت البلد

© جميع الحقوق محفوظة لموقع جريدة صوت البلد 2017