facebook   twitter  youtube
الدكتور خالد غازي





أراء وكتاب
أمير تاج السر
د. لنا عبد الرحمن


أحمد عمر والسرد بإبرة الحكاية وخيوط التأويل

عبدالدائم السلامي (القدس العربي :) السبت, 09-سبتمبر-2017   03:09 صباحا

شكرا لك ..! لقد تم ارسال المقال بنجاح .
اغلاق

ارسال » أحمد عمر والسرد بإبرة الحكاية وخيوط التأويل
اسمك
بريدك الالكتروني
مرسل لبريد الكتروني
نص الرسالة


ارسال مقال ارسل | اضف تعليق|حفظ المقال حفظ|طباعة مقال طباعةاضف للمفضلة اضف المقال للمفضلة


أزعم أنّ الكتابةَ التي لا تُواجه الخسارة، ولا تُلامس أطرافَ حَتْفِها وهي تتخلّق، ولا تشكُّ حتى في سعادتها، إنّما هي في نهاية أوصافها كتابةٌ ضدّ ذاتها، كتابة لا تصمد في الأرض ولا تصنع لها تاريخًا، فما تاريخ الكتابة إلاّ تاريخ رحلتها الوَجَعيّة، رحلة قد يتكئ فيها المبدع على أسلوب الضَحِك، باعتبار أنّ الضحك هو «ما يحرّر الاستعارةَ، والرمزَ، والشِّعارَ من الهوس الشعريّ، وهو أيضا ما يُظهر قدرتَها على التخريب» على حدّ عبارة بارت، وهو ضحكٌ مُنصبٌّ كلّه على حشود الوجع الإنسانيّ ذاته. وإني واجدٌ الآن في ما يكتبه العراقيّون والسوريّون – أولئك الذين اكتووا بناريْن: نار الوطن ونار الغربة – ما يمثّل أنموذَجا لكتابة أدبية، حَيٌّ سؤالُها، جديدةٌ مناخاتُها، ووسيعةٌ آفاقُها، كتابة لها إحساسٌ مُضاعَف بأحوال وقتها، وباهتراء قِيَمِ الواقع فيه.
أقول قولي هذا وأنا أقرأ كتاب «هدهد في زجاجة» للكاتب والصحافي السوري أحمد عمر (نون للنشر 2017)، وقد وسمه بعنوان فرعي هو «صبوات في القصّ والنصّ»، وفيه عَرَض على قارئه مجموعةً من القصص التي تتحرّك في نقطة رمادية لا نعلم معها أهي قصص بالغت في تقصّي الواقع حتى بدت مُتخيَّلةً؟ أم هي قصص مُتخيّلةٌ بلغت حدَّ الواقعية. وفي الحاليْن هناك حكايات، وهناك أوجاع ممزوجة بسخرية من كلّ شيء.
 كلّ قصّة من هذا الكتاب هي مشهد ساخر من واقعها؛ فيها انتباهٌ لدقيقِ التفاصيل فيه، وفيها جهد فنيّ لترحيلها إلى منصّة السرد عبر إخضاعها لإبدالات رمزيّة جريئة تُشحن فيها بأسئلةٍ وكِناياتٍ داخل دوائر دلالية متوهّجة لا تنفكّ تتوالد مع كلّ نصّ وفي كلّ قراءة. والحقّ أنّ قصص أحمد عمر لم تترك شيئا من حولها إلا وعركت مياهَه الراكدة، إذْ نُلفيها تنصبُّ على موضوعات عددية منها شبّيحة النظام السوري ومخابراته، وأمراء «داعش» (الذين يمرّون بالنساء مجلببات بالسواد، وهم يخطفون نظرات سريعة من شدّة حيائهم وتقواهم)، والرّوس (الذين ليسوا مثل الأمريكان، ويلتزمون بوعودهم)..
 ونساء المخيّمات اللواتي لهن (أسماء «بكيني» تُثير لُعاب الصخر)، وشيخ جامع الحيّ (وهو طالب شريعة في السنة الثالثة، ولا يعرف من الدّين كثيرا، اللهمّ إلاّ كفّارات المعاصي، وأصواع الشعير في عيد الفطر)، وشحوم الحركة التصحيحية (في بلد فُطر أهلُها على مجّانية تحرير قضاء الحاجة قبل مجانية التعليم)، وقوانين الكلاب في ألمانيا، وغيرها من الموضوعات الممزوجة بمرارة الهجرة على غرار ما نقرأ في قصة «الرقص مع الغراب»، حيث نقف على مشهد الراوي وهو يقشّر حبات الجوز ويُلقيها من شرفته إلى غرابٍ «مفتوح الفكّيْن مثل ضبع. ضبع الطيور له عين عنصر مخابرات»، وهو مشهد تَحوّل فيه الغراب إلى ضبع، وتحوّل الضبع إلى عنصر مخابرات، على الأقل هذا ما ظهر من المشهد وخلق فيه سؤالا حول منطِقِ تأويله (غراب- ضبع- مخابرات).
 غير أنّ ذاك السؤال يجد له جوابَه السرديّ في بقية القصة، حيث يكتشف القارئ أنّ حياة الراوي المهاجر إلى ألمانيا هربا من أعين المخابرات في بلاده تتقاطع مع حياة «أقشار» – وهو أحد الشيوخ المغاربة- الذي وعده بأن يكتري له شقته لعدم حاجته إليها. وهو وعدٌ جمّله «أقشار» بمسحة دينية وبتقوى لم تكونا من طبعه وإنما هو جعل منهما سبيلَه إلى الزواج ببنت الراوي الصغيرة التي لم تتجاوز خمس عشرة سنة، وهنا يعود عنوان القصة ليشرح متنها، فإذا هي حكايةُ رقصٍ بين صَبْوتيْن: صبوة الشيخ أقشار الذي يراقص شهواته و»يبالغ في تصغير عمره، ويحاول أن يرسل رسائل تفيد بأنه يهتمّ بصحّته وشبابه الدائم»، وصبوة الراوي وهو يراقص حكايتَه وشخوصَها. وفي الحاليْن ثَمَّ رقصٌ شبيه بالرقص مع الذئاب، بل هو رقصٌ يرقى إلى مراقي القَنْصِ: قنص الجسد وقنص حكايته.
وإذا كانت هذه القصص لا تُخفى نبرتها الصحافية من جهة كونها قد نُشرت في منابر إعلامية تضع – في الغالب- شروطا لحجم المادة ولطبيعة مضمونها، فإن كاتبها قد استثمر بعض تلك الشروط في تكثيف جملته السردية، وتَحَايل على بعضها الآخر من جهة سعيه إلى ترميز محكياته. وقد تسنّى له ذلك بفضل اتكائه على تقنية «تمزيق الحكاية» إلى مشاهدَ تمزيقا يحافظ فيها على انتظامِها الدَّلاليّ ضمن إيقاعية حكائيّة غير رتيبة وناهضةٍ على دعامة تنويعٍ في متن المروي، وتطويعٍ لمكوّناته، ضمن أفق تخييلي تَنْقاد فيه الفكرةُ إلى الجملة، وتنقاد فيه الجملة إلى الفكرة طوعًا، لتتبادلا خبرتيْهما في تفكيك جسد الواقع وتركيبه كما يجب أن يكون التركيب، فإذا القصة تُوقع بمضمونِها في لعبة الخفاء والإيحاء؛ فلا تبوح بمضمَراتِها الدَّلاليةِ وإنما توحي بها وتُحمّل قارئها مهمةَ استدعائها، كما لو أنّ مهمة الكاتب تحريرُ رسائل إلى مجموعته الاجتماعية وإلى قرّائه وفكّ عزلتها من حصار الرقابة.

   

التعليقات






شكرا لك ..! سوف يتم عرض التعليق بعد التدقيق .



   

تشيخوف في مهرجان المسرح المعاصر والتجريبي بالقاهرة تشيخوف في مهرجان المسرح المعاصر والتجريبي بالقاهرة

افتتح مهرجان القاهرة الدولي للمسرح المعاصر والتجريبي دورته الـ 24 بعرض “الشقيقات الثلاث” لفرقة مسرح “تبليسي” الجورجية، تأليف أنطون تشيخوف، وإخراج التفاصيل

الواقعية في القصة القصيرة الحديثة الواقعية في القصة القصيرة الحديثة

القصة القصيرة بما تحويه من فكر وتشخيص واستعارة للوقائع تصبح محورًا للبحث عن فكرة التعبير الذى يحمل قضية واتجاهًا. وتكمن صعوبة دراستها في احتياجها التفاصيل

قاسم سعودي يستحضر الحرب في قصائد شخصية قاسم سعودي يستحضر الحرب في قصائد شخصية

الشاعر العراقي قاسم سعودي في كتابه الشعري الجديد “الصعود على ظهر أبي” الصادر عن دار العنوان الإماراتية ودار مسعى الكندية يستدعي قصيدة النثر بوصفها التفاصيل

الفنون التشكيلية في العالم العربي والنقد الحاضر الغائب الفنون التشكيلية في العالم العربي والنقد الحاضر الغائب

رغم ما وقعَ على النقد من تغيرات حسب العصور، فإنه ظل وسيظل نشاطا يباشرُ الناقِدُ عَبْرَه الأعمالَ الإبداعية باختلافاتها وتجدداتها، والغاية من ذلك التفاصيل

نحن أمام ثورة شعرية ستغير الكثير مما توارثناه نحن أمام ثورة شعرية ستغير الكثير مما توارثناه

ثمة خلط يعتري الحديث عن القصيدة التفاعلية الرقمية، فليست كل قصيدة تنشر من خلال الفضاء الإلكتروني هي قصيدة تفاعلية رقمية بالضرورة، وإنما التفاعلية في التفاصيل

فضيحة «دكتوراه» نصير شمة تشغل القاهرة فضيحة «دكتوراه» نصير شمة تشغل القاهرة

زوايا عدة انطلق منها أخيراً الجدل حول أطروحة ماجستير لعازف العود العراقي نصير شمة، منها الارتياب في صدقية الجامعة المانحة، والتشكيك في كون المجلس التفاصيل

يوميات الحرب السورية يوثقها عادل محمود يوميات الحرب السورية يوثقها عادل محمود

يعزز عادل محمود الزحف الشعري إلى الرواية من خلال روايته الثالثة «قطعة جحيم لهذه الجنة» (دار التكوين 2017). وقد غلب في هذا الزحف أن تعددت الزوجات، التفاصيل




فيلم فيلم " تشرشل " أصغر من الزعيم وينستون
أحدث الأفلام التي ظهرت عن شخصية رئيس الوزراء البريطاني وينستون تشرشل، الفيلم البريطاني الجديد “تشرشل”...
السيراميك .. عنصر حيوي للعلاج البشري السيراميك .. عنصر حيوي للعلاج البشري
السيراميك، مادة أرضية غير عضوية تتكون من الكوارتز أو السيلكا والكولينات، ومجموعة من الطفلات والمصهرات، ويمثل...
التربية الجنسية الملائمة لنمو الطفل لا تضره ولا تصدمه التربية الجنسية الملائمة لنمو الطفل لا
أكدت دراسة مصرية أن استعداد الآباء والأمهات للتعامل مع الفضول الجنسي واجب أساسي وليس هامشيا، لأنه يحدد موقف...
أفلام الكرتون.. لماذا تجذب الشباب؟ أفلام الكرتون.. لماذا تجذب الشباب؟
تحوي أفلام الكرتون مضامين ترفيهية وخيالية مشوقة، وهو ما يجذب الأطفال إليها، لكونها أُخرجت خصيصًا لتناسبهم،...
" الوجه " فيلم فرنسي عن فتاة عادية
باريس- شهد هذا العام صدور فيلم “الوجه” من 20 دقيقة للمخرج الفرنسي سيلفيستر ليستا، الذي عُرض ضمن أسبوع النقاد...

هل تتوقع ان تستجيب قطر لمطالب الدول المقاطعة لها؟

نعم
لا
ربما






جريدة صوت البلد

© جميع الحقوق محفوظة لموقع جريدة صوت البلد 2017