facebook   twitter  youtube
الدكتور خالد غازي





أراء وكتاب
أمير تاج السر
د. لنا عبد الرحمن


ممرات سرية للفرح .. الوعي بالسرد والوعي بالتشكيل

محمد عطية محمود () الخميس, 07-سبتمبر-2017   02:09 صباحا

شكرا لك ..! لقد تم ارسال المقال بنجاح .
اغلاق

ارسال » ممرات سرية للفرح .. الوعي بالسرد والوعي بالتشكيل
اسمك
بريدك الالكتروني
مرسل لبريد الكتروني
نص الرسالة


ارسال مقال ارسل | اضف تعليق|حفظ المقال حفظ|طباعة مقال طباعةاضف للمفضلة اضف المقال للمفضلة

تتكيء آلية السرد في مجموعة "ممرات سرية للفرح"  للقاصة المصرية حنان صالح، على الشاعرية المضفرة بالحس التشكيلي البصري الذي يحول كل المفردات إلى منمنمات تشكيلية حية تتشاكل مع النفس واعتلاجها بالمشاعر المتناقضة التي تفضي إلى حالات من الشجن والأرق والقلق الوجودي، والتماس بقاع بعيدة تلتقط فيها الروح أنفاسها، وتتحرر قليلا، وهي النزعة التي نراها جلية في غير موضع من مواضع السرد في نصوصها المختزلة المكثفة، التي تتراوح بين كل تلك الحالات المشتبكة بالألم، سواءً من الداخل/ الذات، أو من الخارج/ المشاهدة والمراقبة التي تشتبك أيضا بالتشكيل البصري كما قلنا، والنازعة في أغلب أحوالها إلى التوحد مع أشياء تخرجها من كمونها، وتيسير سبل التواصل، حيث يجسد العنوان هنا ملمحا هاما دالا على تلك الرغبة النفسية في الخروج من دائرة الألم للتماس مع دائرة الفرح، وهو ما يلوح جليا من خلال نصوص المجموعة التي تشي بقدرات الكاتبة على امتصاص هذه التركيبة التي تصنع منها نصها القصصي، وبما يشي بآلية تعتمدها للتأثير على قنوات التلقي التي تستقي آلياتها من خلال هذا النسق، ومن خلال الولوج إلى منطقة مستبطنة من الذات تبغي النصوص سبر غورها من خلال حالاتها المتواترة بالمجموعة؛ فتأتي براعة الوصف متضافرة مع عنصر التشكيل البصري واللغوي لتكون وحدة سردية لا تنفصل، دالة على الاستغراق في الحالة الإنسانية، من خلال نموذج نص "النظارة" الذي يستدعي دلالة ضعف الإبصار/ الرؤية، لبيان قصور الاغتراب عن الواقع الذي يجابه أفراده بآليات قمعهم وعزلهم
"كانت تقف بجلبابها الحائل على جانب الطريق، تفترسها العتمة والمطر والريح، الشوارع غارقة للمنتهى، والرصيف طوف حجر يتعلق به مئات مثلها بانتظار معجزة تقلهم للجانب الآخر من الطريق".
ما يستدعي تعبيرا أكثر تجسيدا للحالة التي يلعب النص على الداخل والخارج في تلك الشخصية من خلال دلالات العتمة والمطر والريح التي يوظفها النص لإبراز التأثير النفسي المصاحب لهذه الحالة/ الأزمة التي تضع هذه السيدة العجوز بملامحها الدالة على التواضع وسط هؤلاء الناس الذين ينتظرون من ينقذهم:
"تتكئ في ألم على عكازٍ خشبي مقشور الطلاء مكسور الطرف، وباليد الأخرى كيس بلاستيكي أسود، يتناوب البدن المنهك نقل العكاز يمنة ويسرة كلما فتك به الألم.. تفلت منه أنة عجز مكتوم، لفعل مكتوف معقود، على يد فدائية سوف يهبط من منطاد سماوي تنتشلها من جانب لجانب"
تبدو هنا فكرة المخلص التي يتكيء عليها الوعي الجمعي، وتستدعيه دائما العقلية الفردية اتكاءً على هذا الموروث، أو القوى الغيبية التي يراد حضورها في خضم كم المعاناة التي جبل عليها، كما تبرز دلالة العكاز مقشور الطلاء مكسور الطرف لتؤكد على مدى الاستغراق في هذا العجز، ليكمل النص بناءه السردي من خلال اكتمال تلك اللقطة الرمزية في نهايته والتي حشد لها كل عناصر التصوير والوصف لتصل إلى التخييل المقترن بالعبث وكافكاوية الرؤية  المتمثلة في الرمز/ المرأة:
"لم تعد المرأة تتحرك، التحمت برصيف الشارع، حتى نظرتها تجمدت لا تريم، لا يرمش جفناها، معلقة على الفراغ. وفي اليوم التالي فوجئ الناس بالشارع وقد سدته شجرة سوداء متفحمة، على كل غصنٍ منها عكازٍ خشبي مقشور الجانب، بمتكأ مشطوف الطرف تتطاير من أغصانها آلاف من الجلابيب السمر، وعلى طرف الغصن تتدلى نظارة طبية تتأرجح مع الريح وتحدق عدساتها في اللاشيء" 
بتلك الآلية السردية تتحول المرأة إلى رمز عبثي تقترن بحالة العزلة التي تؤدي إلى الشعور بالعدمية وانغلاق الرؤية، وكأيقونة للمكان الذي تحول إلى سواد، لكن بجمالية وعي تشكيل الصورة وتقديمها على النحو الذي يكرس لهذه النهاية التي تفتح آفاق التأويل لهذا النص على مصراعيه، الذي ينتقل من الخاص إلى العام إلى جوهر الفكرة/ الحدس/ الاستشراف، الذي يريد تقديمه من خلال رؤيته للواقع المحيط..
***
في نص "ساحر الصحراء"، تقارب الكاتبة فكرة الخروج من الإحساس النفسي بالجفاف والتشقق، ومفارقة الحياة معنويا، بهذا الاتجاه نحو تيمة الحلم التي تأتى بما تشتهيه شخصية النص/ الذات الساردة ليحقق لها معادلة وجودها..
"الشمس المحرقة والرمضاء قد تولتا الباقي من جسدي المتصحر، وحلقي الجاف وصور متتالية تفر لحظيا أمامي بأن الحياة تنسحب مني رويدا، وأن صعود الروح قد أزف.. عدة مرات رأيتني وأنا أتحرر من وزني في طريقي لفقد مقاومتي، وإحساسي بإغماء وشيك، بينما شاب صحراوي ملثم تسلل بالقرب مني"
تأتي تلك الاستعاضة بالحلم المتكرر لتفتح باب استدعاء الوجه البديل الذي يتراءى في الحلم ليجسد فتى للأحلام بشكل رومانسي محلق أقرب إلى التعويض النفسي، ذلك الذي يتجه إلى صناعة حياة موازية داخل الحلم
"لأول إفاقة كان الصحراوي ينفث رضابا مندى في فمي، ويطبق يديه على قلبي يعتصره بقبضة يده..  يضخ نبضا، ومن عروقه يصل أوردته بأوردتي..  ينقل دمه لي .. أرى عروقه الشفافة تتمدد متشعبة في جسدي..  كرياته الحمراء والبيضاء تتقافز بحيوية ومرح.. تنعش جسدي في صدمات إفاقة متوالية .. ما أجمل الحياة في اللحظات التي توشك فيها أن تفقد الحياة."
تلك الحياة الداخلية التي تشف لها ماديات الجسم، لتتمثل كل الوظائف الحيوية به على نحو انقشاع الغمة التي تأتي بها التعبير بالفانتازيا الداخلية التي تتحرك فيها كل المشاعر والعواطف والأعضاء غير المرئية ككائنات حية، تستدعي الصور المركبة الجديدة، وتستحلب اللحظة التي تتمنى فيها أن يكون فيها كل شيء متاحا ومكشوفا وشفافا أمام الروح، ومتحدا بها بدنا وحسا.. تلك الروح التي ترى هذه المرة بنفس الحس البرزخي، الذي تناولت به الكاتبة نصها "برزخ"، الذي يأتي هنا دلالة على رفض الواقع المادي الخارجي الذي يؤطر علاقات الذات بخارجها، وهو ما يحيل إليه النص من خلال استنطاق تلك الدوال النفسية المنتشرة فيه، ليأتي توظيف الحكمة هنا دالا على التورط في هذا المعنى.. "ما أجمل الحياة في اللحظات التي توشك أن تفقد فيها الحياة"، وهي أيضا نقطة تماس أخرى مع النص السابق "برزخ"..
"أمد يدي للمكان الوحيد الذي لم أعن باكتشافه.. أميط اللثام عن وجهه، كما تخيلته، من كل عناصر الدنيا هو، من أديم الأرض.. ما أجمله.. يفنى ليحييني، ويحيا ويتجدد بي، ثم يفنيني.. أغلق عيني.. مبتسمة أتأمل وجهه وأنام."
من الملاحظ أيضا أن نهاية النص تأتي متسقة مع حالة الحلم المراد تثبيتها، دلالة على استمرار حالة الجفاف والتشقق أو إعادة إنتاجها بصورة مستمرة حتى يمكن الوصول إلى تلك الحالة من الرضا في كل مرة، وهو مما يمثل نوعا من الفصام الواعي، الذي قد يعيد الاتزان إلى الذات لفترة ما ثم يعيدها إلى حالتها الرئيسة لتتابع تلك الدورات من الألم والهزيمة والانتصار..

   

التعليقات






شكرا لك ..! سوف يتم عرض التعليق بعد التدقيق .



   

تشيخوف في مهرجان المسرح المعاصر والتجريبي بالقاهرة تشيخوف في مهرجان المسرح المعاصر والتجريبي بالقاهرة

افتتح مهرجان القاهرة الدولي للمسرح المعاصر والتجريبي دورته الـ 24 بعرض “الشقيقات الثلاث” لفرقة مسرح “تبليسي” الجورجية، تأليف أنطون تشيخوف، وإخراج التفاصيل

الواقعية في القصة القصيرة الحديثة الواقعية في القصة القصيرة الحديثة

القصة القصيرة بما تحويه من فكر وتشخيص واستعارة للوقائع تصبح محورًا للبحث عن فكرة التعبير الذى يحمل قضية واتجاهًا. وتكمن صعوبة دراستها في احتياجها التفاصيل

قاسم سعودي يستحضر الحرب في قصائد شخصية قاسم سعودي يستحضر الحرب في قصائد شخصية

الشاعر العراقي قاسم سعودي في كتابه الشعري الجديد “الصعود على ظهر أبي” الصادر عن دار العنوان الإماراتية ودار مسعى الكندية يستدعي قصيدة النثر بوصفها التفاصيل

الفنون التشكيلية في العالم العربي والنقد الحاضر الغائب الفنون التشكيلية في العالم العربي والنقد الحاضر الغائب

رغم ما وقعَ على النقد من تغيرات حسب العصور، فإنه ظل وسيظل نشاطا يباشرُ الناقِدُ عَبْرَه الأعمالَ الإبداعية باختلافاتها وتجدداتها، والغاية من ذلك التفاصيل

نحن أمام ثورة شعرية ستغير الكثير مما توارثناه نحن أمام ثورة شعرية ستغير الكثير مما توارثناه

ثمة خلط يعتري الحديث عن القصيدة التفاعلية الرقمية، فليست كل قصيدة تنشر من خلال الفضاء الإلكتروني هي قصيدة تفاعلية رقمية بالضرورة، وإنما التفاعلية في التفاصيل

فضيحة «دكتوراه» نصير شمة تشغل القاهرة فضيحة «دكتوراه» نصير شمة تشغل القاهرة

زوايا عدة انطلق منها أخيراً الجدل حول أطروحة ماجستير لعازف العود العراقي نصير شمة، منها الارتياب في صدقية الجامعة المانحة، والتشكيك في كون المجلس التفاصيل

يوميات الحرب السورية يوثقها عادل محمود يوميات الحرب السورية يوثقها عادل محمود

يعزز عادل محمود الزحف الشعري إلى الرواية من خلال روايته الثالثة «قطعة جحيم لهذه الجنة» (دار التكوين 2017). وقد غلب في هذا الزحف أن تعددت الزوجات، التفاصيل




فيلم فيلم " تشرشل " أصغر من الزعيم وينستون
أحدث الأفلام التي ظهرت عن شخصية رئيس الوزراء البريطاني وينستون تشرشل، الفيلم البريطاني الجديد “تشرشل”...
السيراميك .. عنصر حيوي للعلاج البشري السيراميك .. عنصر حيوي للعلاج البشري
السيراميك، مادة أرضية غير عضوية تتكون من الكوارتز أو السيلكا والكولينات، ومجموعة من الطفلات والمصهرات، ويمثل...
التربية الجنسية الملائمة لنمو الطفل لا تضره ولا تصدمه التربية الجنسية الملائمة لنمو الطفل لا
أكدت دراسة مصرية أن استعداد الآباء والأمهات للتعامل مع الفضول الجنسي واجب أساسي وليس هامشيا، لأنه يحدد موقف...
أفلام الكرتون.. لماذا تجذب الشباب؟ أفلام الكرتون.. لماذا تجذب الشباب؟
تحوي أفلام الكرتون مضامين ترفيهية وخيالية مشوقة، وهو ما يجذب الأطفال إليها، لكونها أُخرجت خصيصًا لتناسبهم،...
" الوجه " فيلم فرنسي عن فتاة عادية
باريس- شهد هذا العام صدور فيلم “الوجه” من 20 دقيقة للمخرج الفرنسي سيلفيستر ليستا، الذي عُرض ضمن أسبوع النقاد...

هل تتوقع ان تستجيب قطر لمطالب الدول المقاطعة لها؟

نعم
لا
ربما






جريدة صوت البلد

© جميع الحقوق محفوظة لموقع جريدة صوت البلد 2017